تابعنا على الانترنت
استفتاء

عن شرعية 25 يناير و 30 يونيو ... بهدوء وبلا ابتزاز

17/04/2018 07:09


د. حازم حسنى

لا يختلف الذين يبتزون غيرهم عن طريق التشهير بالثلاثين من يونيو، وإطلاق الاتهامات بانتهاك الشرعية، عن آخرين يبتزون خصومهم عن طريق التشهير بالخامس والعشرين من يناير، وإطلاق الاتهامات بالتآمر والخيانة ... كلا الفريقين يعملان بمنطق التشهير، وإطلاق الاتهامات الجزافية، واعتماد حيلة "العيار اللى ما يصيبش يدوش" ! ...

 دعونا إذن من أولئك ومن هؤلاء، ولنطرح قضية الشرعية بهدوء، هذا إذا كنا نريد لآليات العقل أن تعمل لا آليات الغرائز التى لا تعترف بعقل ولا بأخلاق.

دعونى أبدأ بفقرات بسيطة أقتطفها من مؤلف لى صدر سنة 1998، أى قبل يونيو 2013، وقبل يونيو 2012، بل وقبل يناير 2011 بنحو ثلاثة عشر عاماً؛ فهو حديث إذن متحرر من هذه الأحداث جميعها، ولا ينحاز لأى منها ولا لغيرها، خاصة وأنه يستدعى حديثاً آخر لمونتسكيو ولجرافينا يسبق كل هذه الأحداث بنحو قرنين ونصف القرن من الزمان أو يزيد! وهو مقتطف يحتاج بعض القدرة الذهنية لاستيعاب معانيه؛ فإذا وجد البعض أنه يرهق ذهنه بما يتجاوز قدرته على الفهم، أو يجاوز رغبته فيه، أو يجاوز ما يؤمن به مما هو غير مستعد للتراجع عنه، فليترك هذا الحديث كله بسلام فهو ليس له، مؤكداً من جانبى أن ليست عندى أية رغبة فى إرهاق أحد، ولا فى ابتزاز أحد، ولا فى فرض وصايتى الفكرية على أحد؛ فليوافق على منطق الحديث من يوافق، وليعترض عليه من يعترض؛ ولنكتفى جميعاً بفهم بعضنا بعضاً، واحترام حق كل واحد منا فى أن تكون له رؤاه ومواقفه؛ ولنتفق أخلاقياً على عدم ابتزاز بعضنا بعضاً، وعلى أن تكون موازين العقل هى موازين حكمنا على الأمور، وعلى أن البذاءات وانحطاطات الفكر لا تصنع حقيقة ولا هى تصنع مستقبلاً.

قبل الاقتطاف، أوجه نظر القارئ الكريم لكون مصطلح "الإرادة" هو المصطلح المفتاح لفهم النص، ومن ثم فهو حديث لا يخص من لا يعترف بوجود هذه "الإرادة" أصلاً، أو هو لا يعترف بتفردها، أو لا يعترف بأية علاقة بينها وبين الشرعيتين الثورية والدستورية ... ولنبدأ الاقتطاف:ـ

ـ "كل المخلوقات - عدا الإنسان - إنما تخضع للقوانين الطبيعية وحدها، وهى قوانين ليس لإرادة المخلوقات شأن بصياغتها، وإنما صاغها الله بحكمته حتى ينتظم الكون ويصبح وجود العالم ممكناً ... الإنسان وحده بين كل المخلوقات هو الذى يُخضِع نفسه لقوانين وضعية من صياغته بجانب القوانين الإلهية التى صاغها الله، سواء جاءت الصياغة الإلهية فى صورة قانون طبيعى يحكم وجود الإنسان ككائن حى، أو فى صورة قانون دينى يحكم سلوكيات الإنسان ومعاملاته"

ـ "هذه الازدواجية القانونية يراها مونتسكيو أمراً حتمياً، فالجسد السياسى عنده قد نشأ استجابة للظرف السياسى الذى يرى جرافينا أنه يتكون نتيجة اجتماع القوى الفردية الخاصة المكونة لمجتمع ما؛ فإذا كان من الطبيعى أن تحكم الإرادة الإلهية الجسد الإنسانى الذى أوجدته، والنفس الإنسانية التى أوجدتها، فإنه من الطبيعى أيضاً - عند مونتسكيو (فى كتاب [روح القوانين] أو [روح الشرائع] - أن تحكم الإرادة الإنسانية الجسد السياسى الذى أنشأته، والنفس السياسية التى أنشأتها؛ فحيث نشأ الجسد السياسى تعبيراً عن إرادة الإنسان، فإن القوانين (أو الشرائع) التى تحكم هذا الجسد يجب أن تتفق مع نفس الإرادة التى أوجدته، ولا يصح عنده بأى حال من الأحوال إقامة الشرائع الإلهية حيث يجب أن تقوم الشرائع الوضعية، كما لا يجوز بأى حال من الأحوال أن تنظم القوانين الوضعية ما تنظمه القوانين الإلهية ... إنه نفس مبدأ [دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله] الذى قامت عليه المسيحية، ونفس مبدأ [أنتم أدرى بأمور دنياكم] الذى قامت عليه الدولة الإسلامية فى عهدها الأول."

ـ "[...] القانون (الوضعى) عند مونتسكيو له صفتان، ففى صفته العامة هو المنطق الإنسانى الذى يحكم كل شعوب الأرض، أما فى صفته الخاصة فهو تطبيق لهذا المنطق الإنسانى وفقما يناسب الجسد السياسى - أو الأجساد السياسية - التى تخضع له [ ... ومن الضرورى فى هذا الصدد أن تكون للقانون، خاصة فى صفته العامة، طبيعة توفيقية بين مصالح الناس التى تختلف من شعب لآخر] وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اختلاف الظرفين السياسى والمدنى؛ فأما الظرف المدنى فينشأ

من اجتماع الإرادات الفردية فى إرادة جمعية واحدة، وأما الظرف السياسى فينشأ من اجتماع القوى الفردية فى قوة جمعية واحدة."

ـ "العلاقة بين الظرفين السياسى والمدنى - كما نستخلص ضمنياً من المنطق الدفين فى فكر مونتسكيو - هى التى تحكم شرعية النظام السياسى؛ فالظرف المدنى عنده - نعنى اجتماع إرادات الأفراد - هو الذى ينشئ الظرف السياسى - أى اجتماع القوى الفردية - وليس العكس؛ فإذا نشأ الظرف السياسى - أى نشأت القوة الجمعية - فإنها تحتم إنشاء حكومة تدير هذه القوة؛ وهذه الحكومة بدورها يجب أن تكون لها خصوصية تعبر عن خصوصية الشعب الذى باجتماع إرادات أفراده وُجِدت هذه الحكومة؛ أما إذا وُجِد الظرف السياسى دون تحقق الظرف المدنى، أو تحقق الظرف المدنى أولاً ولكن كان للجكومة خصوصية تخالف خصوصية الشعب الذى أوجدها، فإن النظام السياسى يفقد شرعيته."

ـ "كى تكتسب القوانين شرعيتها إذن يجب أن تكون مناسبة لطبيعة الشعب الذى وُجِدت لتُسَيِّر شؤونه، تتساوى فى هذا القوانين السياسية التى تنشئ الحكومة والقوانين المدنية التى تحافظ عليها ... هذه العبارة الأخيرة تعنى ضمنياً أن الظرف السياسى يمكنه أن ينشأ دون الظرف المدنى، لكنه لا يدوم إلا به؛ ومن ثَمَّ فإن طبيعة الإرادة الجمعية هى التى يُفترَض فيها أن تحدد طبيعة القوانين الوضعية التى تحكم الجسد السياسى إذا ما أريد لهذه القوانين أن توصف بالشرعية؛ ويرى مونتسكيو أن طبائع الإرادات الجمعية للشعوب - وهى ناتج اجتماع الإرادات الفردية - إنما تتباين تبايناً كبيراً، فلا تناسب قوانين أمةٍ أمةً أخرى غيرها إلا أن يكون ذلك بفعل صدفة عمياء."

أكتفى بهذا القدر من اقتطاف بعض ما كتبت منذ عشرين عاماً، متضمناً بعض ما كتب مونتسكيو قبل مئتين وخمسين عاماً، ومن قبله جيوفانى جرافينا الذى غادر عالمنا منذ ثلاثة قرون ... فمثل هذه الأفكار هى ما يحتاج إليه أى نظام سياسى لبناء شرعيته، ولتأكيد هذه الشرعية والحفاظ عليها؛ وأتذكر أننى قد كتبت منذ سنوات بعد الثورة مقالاً فى إصدارة "أخبار الأدب" عنوانها "عفواً صاحبة القدمين، فالرأس مازالت داخل الرحم" أنقد فيه اندفاعات الثورة التى لم يكن يقودها أى فكر يُرَشِّد مساراتها، رغم إقرارى بأن رصيد الفكر الفرنسى قبل الثورة الفرنسية لم يعصم هذه الثورة من أخطائها، لكنه - على الأقل - ساعدها بعد فترة على أن تصل لحالة الاتزان النسبى، بعكس ما نحن فيه من إنكار لدور الفكر فى تحقيق الاستقرار وتصحيح المسارات التى سارت رهينة مشاريع ترفع شعارات الدولة أو شعارات الثورة دونما اعتراف بإرادة حرة تفكر وتقرر وتغير، بل فقط بإرادة حبيسة الصندوق أو أسيرة البروباجندا، أو هى مشاريع ترفع شعار الشرعية دونما اعتراف بهذه العلاقة الحرجة بين الظرفين المدنى والسياسى التى بغير فهمها وتحقيق شروطها تسقط شرعية النظام، أو هى لا تتحقق هذه الشرعية أصلاً !

لن أستطرد أكثر من هذا، إذ لا أرغب فى الدخول فى مساجلات عقيمة لا تزيد المشهد العام فى مصر إلا بؤساً فوق بؤسه ... فقط يبقى السؤال حاضراً عن أى النظم تُراه يخضع لهذه الأفكار المؤسسة للشرعية؟ هل هو نظام الإخوان، أم نظام السيسى؟ والحقيقة هى أنها أفكار عامة، يخضع لها أى نظام ... فى مصر أو فى غيرها، قبل 25 يناير أو بعدها، وقام هذا النظام قبل 30 يونيو أو تلاها.

والخلاصة هى أن 25 يناير كانت ضرورة تاريخية، وكذلك كانت 30 يونيو، نتيجة الخلل الواضح فى العلاقة القائمة بين الظرفين المدنى والسياسى ... فلنسمى ما حدث فى هذا التوقيت أو ذاك ثورة، أو غضبة، أو انتفاضة، أو حتى انقلاباً، فكل هذا لن يغير من حقيقة أن كلا الحدثين كان ضرورة تاريخية؛ وحين تتعارض الضرورة التاريخية مع الضرورة السياسية فإن الشرعية تكون دائماً لضرورات التاريخ، والغلبة تكون فى النهاية لها؛ وستبقى للتاريخ الذى لم ينته بعد ضروراته التى يغفل عنها الغافلون ... المهم هو ألا نخلط بين ضرورات "التاريخ" وضرورات "المشاريع التاريخية" التى لا تتفق بالضرورة مع ضرورات التاريخ ... تمسحت هذه المشاريع بشعارات مرشح الضرورة، أو رئيس الضرورة، أو بأوهام ضرورة التمكين وصولاً إلى أستاذية العالم !

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق