تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر المصرى حازم حسنى..يكتب: لمن يتحدثون بلغة العقل

10/04/2018 05:51


د. حازم حسنى

لا أدعى أى قدسية لآرائى النقدية، ولا أنا أعترف بأى حصانة لأى رأى مهما كانت مكانة قائله، اللهم إلا حصانة المرجعيات العقلية التى لا مكان فيها لـ"منطق" الاقتطاع خارج السياق، أو "منطق" الانتقاء وخلط الأوراق، أو "منطق" هدم قواعد المنطق، أو - حتى لا ننسى فى زحام عداوات العقل - "منطق" الجهل باللغة وبالقواعد الحاكمة لتوظيف المصطلحات.

أقول هذا بمناسبة ما أثاره حديثى بالأمس عن حالة الهذيان التى أصابت المشهد العام فى مصر، خاصة بين من يدعون - والمعنى فى بطن شاعرهم - تخليص مصر من قبضة الحكم الاستبدادى الذى يؤسسه السيسى منذ سنوات، إذ لا يفعل هؤلاء بما ينشرون من هذيان عام إلا إفساد كل جهود وطنية تسعى فى هذا الاتجاه؛ ومرة أخرى، أحذر من مرض التعميم الأعمى، فليس كل رأى مخالف لرأيى هو من الهذيان، وإنما يعرف الهذيان بموقعه من لغة العقل وبموقفه من ضوابطها.

لا أعتقد أن "الهذيان" - إن هو تُرِك وشأنه - يمكنه مساعدة هذا المسعى النبيل، وأعنى به تخليص مصر من أزمتها التاريخية الممتدة، بل أظنه يعوقه ويعرقله، بل ويدعم بقاء السيسى وتغوله كما دعم من قبل مجيئه للحكم الذى لم يكن مطروحاً فى 30 يونيو 2013، بل ولا حتى بُعَيد 3 يوليو من العام نفسه ... وليس من سبيل لمواجهة أصحاب هذا الهذيان العقلى إلا بالمواجهة الصريحة، وبعدم التغطية على أهداف غير معلنة يفترض أصحابها الغفلة فيمن يعارضون السياسات "الغشيمة" و"الغاشمة" للسيسى ونظامه، ومن ثم يراهنون على تمريرها إلى العقل الجمعى المصرى دون مواجهات نقدية تُذكَر !

لم أتطرق فيما كتبت بالأمس للمنطق الذى حكم السيسى فى تحركاته، ولا أنا التمست له العذر فى أية خطايا أراه قد ارتكبها فى حق هذا الوطن منذ بداية حكمه، بل ومنذ ما قبل هذا مما لم أغفله فى وقته؛ لذا أرانى مندهشاً من كم التعليقات التى تطوع أصحابها باتهامى بما لا علاقة له بأية معانى يمكن للعقل أن يستخلصها مما كتبت، وسأتجاهل هنا كم البذاءات والانحطاطات التى تضع أصحابها فى خانة واحدة مع غيرهم ممن يدعون أنهم يقفون منهم موقف النقيض من النقيض !

يؤسفنى أننى لم أجد فى تعليقات من يطالبوننى بالعقل أى أثر للغة العقل، وإلا فأين هو العقل فى أن يدافع البعض عن فكرة أن الدكتور مرسى مازال الرئيس الشرعى للبلاد بعد مرور ست سنوات على انتخابه؟ ... قلت إنه يحق لأنصار

الرجل مناقشة هل أخطأ أم لم يخطئ، كما يحق لهم معارضة عزله من منصبه هل كانت له مبرراته أم لا، رغم أن خطاب السيسى فى 3 يوليو لم يعزل الدكتور محمد مرسى من منصب الرئيس؛ ولو كان لجماعة الإخوان عقل يستوعب أبعاد هذه اللحظة التاريخية، ويملك قدرة التعامل الحصيف معها بلغة العقل لا بلغة التمكين والاستقواء بالخارج، ما كنا قد انزلقنا لما انزلقنا إليه مهما كانت نوايا السيسى ومهما كانت ترتيباته المضمرة !

معظم التعليقات صاغها عقل ثنائى لا يعترف بالتعددية، فإما أن تكون مع السيسى أو أن تكون مع مرسى، وكأنه ليس من حقى ألا أكون مع أيهما ... هذا لا يعنى أننى أنكر كون الدكتور محمد مرسى كان رئيساً للبلاد، كما أن السيسى هو اليوم رئيسها، بغض النظر عن رأيى فى أزمة الشرعية التى تعيشها رئاسة البلاد منذ عقود تسبق 25 يناير؛ فللشرعية بأى لغة عقلية أبعاد كثيرة تتجاوز فكرة الصندوق، كما أن الصندوق نفسه يمكن أن ينقلب على شرعيته إذا ما تناقضت مع عناصر الشرعية الأخرى ... وللمرة الألف، فإن من حق كل إنسان أن يناقش هذه القضايا بمرجعيات العقل، لكن ليس له أن يتحدث بغير لغة العقل عن أن الدكتور مرسى مازال هو الرئيس !

هذا الحديث عن الدكتور مرسى باعتباره الرئيس الشرعى للبلاد، ومطالبة أى معارض لسياسات السيسى الاستبدادية بتبنى هذا الحديث وإلا أصبح "مرتداً" عن الدين أو عن الثورة أو عن الحق، هو فى حقيقته فخ يراد للمعارضة المصرية أن تنساق إليه، ولهذا رفضت دائماً فكرة اصطفاف المعارضة على أرضية واحدة يحكمها هذا الحديث المراوغ .... لا يكفى القول بأن الهدف واحد وهو إزاحة هذا الحكم الغاشم من المشهد السياسى المصرى، وإنما من المهم أيضاً أن نعرف لمصلحة من ولمصلحة ماذا ستكون إزاحته: هل لاستعادة الدولة المصرية التى اختزلها السيسى فى شخصه، أم لمصلحة الدولة التى اختزلها دستور الإخوان فى مادته التاسعة عشر بعد المئتين ؟

مرة أخرى، من يريد للغة العقل أن تسود، فعليه أن يترك لغة الأهواء ولغة التمكين ولغة التدليس على العقل بأنه لا يوجد أمام المصريين إلا أحد طريقين: فإما طريق الندامة أو طريق اللى يروح ما يرجعش ... هناك طريق ثالث عنوانه طريق السلامة، حتى وإن سارت فيه قلة تعرف معنى الأمة المصرية التى اختزلها البعض فى جيل فقد تحت وطأة الأزمات الطاحنة بوصلته ومعها كل خرائط الطريق !

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق