تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر المصرى حازم حسنى..يكتب: عودة إلى مصر ... ولو فى الغربة

09/04/2018 06:49


د. حازم حسنى

دعونا من أصحاب العقول القبيحة، والضمائر المشوهة، الذين لا يرون مصر والمصريين إلا بما يوافق ما اعتادوا عليه من قبح ومن تشوهات العقل والضمير ... دعونا نستريح منهم قليلاً، ونعود لأنفسنا دون مزايدات وطنية أو دينية أو ثورية زائفة أفسدت معنى الوطن ومعنى الدين وكل المعانى النبيلة لثورة تمكن لمصر لا لجماعات ولا لأشخاص ولا لمؤسسات دون غيرها مما بغيره لا تكون دولة.

سافرت إلى لندن كما تعلمون، حيث قررت إدارة التليفزيون "العربى" هناك أن تختصر ظهورى على شاشتها حرصاً على سلامتى، وكى لا يبدو ظهورى المتكرر عليها وكأنه حملة ممنهجة على ما أشاعت أذناب النظام الإعلامية !

وجدتنى أمام أربعة أيام حرة، وكل من يعرفوننى يعرفون ولا شك نفورى الفطرى من مراكز التسوق التى ادعى المرجفون إننى غارق فيها بأموال التنظيم الدولى للإخوان ! ... فقبلتى الأولى فى أى مدينة أزورها هى متاحفها ومواقعها الأثرية ومراكزها الثقافية، وقد فعلت ذلك بالفعل، حيث زرت المتحف البريطانى، ومتحف التاريخ الطبيعى، ومتحف فيكتوريا وألبرت، والرواق الوطنى (الناشونال جاليرى)، وجميعها مجانى بلا رسوم دخول، ولا يحتاج الأمر لأن تتكفل "العربى" أو غيرها بمصاريف "الفسحة" !

اقتنصت من زياراتى للمتاحف الأربعة نحو 1300 صورة، قد أطلعكم على بضع صور منها ... مجرد آحاد الصور، أو أكثر قليلاً، لا مئاتها بكل تأكيد ! ... لكن قبل هذا، دعونى أصحبكم إلى الموقع الذى لا يليق بأى مصرى يزور لندن أن لا تهفو نفسه لزيارته، وأعنى به موقع المسلة المصرية التى تقف شامخة على ضفاف نهر التيمز.

المسلة التى يعود تاريخها إلى نحو خمسة وثلاثين قرناً مضت تحمل على وجوهها الأربعة نقوشاً تعود إلى الفاتح المصرى العظيم تحوتمس الثالث، إذ جعل المسلة شاهدة على انتصاراته، وقام برفعها فى مدينة هليوبوليس (مدينة "أون" باللغة المصرية القديمة، وهى اليوم ضاحية عين شمس بالقاهرة)، لكن رمسيس الثانى من بعده - ربما لأنه أراد أن يربط بين اسمه واسم سلفه الأعظم فى التاريخ المصرى - نقش على نفس المسلة أخبار انتصاراته أيضاً، لا بطمس ما سجله عليها تحوتمس الثالث وإنما بإضافة عمودين من الكتابة يحيطان بالعمود الأوسط الذى يعود لتحوتمس الثالث على كل وجه من وجوه المسلة الجرانيتية الأربعة.

ظلت المسلة فى مكانها فى هليوبوليس حتى مجئ الرومان، حيث تم نقل المسلة إلى الأسكندرية وأقيمت فى معبد قيصريوم الذى شيدته كليوباترا لتمجيد ذكرى يوليوس قيصر، وربما لهذا السبب اشتهرت المسلة باسم "إبرة كليوباترا" ! ... بقيت المسلة مدفونة تحت أرض الأسكندرية قرابة ألفى عام إلى أن أهداها محمد على إلى الإنجليز منذ نحو مئتى عام، لكن الإنجليز استكثروا نفقة نقلها إلى بريطانيا، فبقيت فى مكانها حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر حيث اكتتب الإنجليز لتوفير نفقات النقل، ووجدت المسلة أخيراً مكانها على

ضفاف التيمز.

المسلة فى وضعها الحالى محاطة بتمثالين لأبى الهول مصنوعين من البرونز، وهما ليسا أصليين وإنما تمت إضافتهما كمكمل جمالى وثقافى على يمين ويسار المسلة خلال عصر الملكة فيكتوريا ... إذا دققتم فى ذراع الأيمن منهما (ذلك الذى يظهر فى الصورة الأفقية) ستلاحظون أثر الشظايا التى تركتها أول قنبلة ألقاها الألمان على لندن خلال الحرب العالمية الأولى، كما تركت القنبلة آثارها على قاعدة المسلة وقاعدة التمثالين !

بقدر ما ارتبطت ذاكرة الحرب العالمية الأولى فى لندن بهذين التمثالين، فإن قصة المسلة نفسها ارتبطت فى الذاكرة البريطانية بمأساة أخرى ... فشحن المسلة من الأسكندرية قد تم بعد جهد هندسى كبير انتهى بوضع المسلة فى حافظة حديدية، أطلق عليها اسم "كليوباترا"، وأحيطت هذه الحافظة الحديدية بطوافات شكلت ما يشبه سفينة شحن للمسلة قطرتها وراءها سفينة أخرى إلى الجزيرة البريطانية، لكن الركب تعرض فى خليج بسكاى لعاصفة أدت لفقدان "كليوباترا" توازنها، حتى كادت تُغرِق معها السفينة القاطرة، فأرسل قائدها زورقاً لإنقاذ الطاقم المصاحب لكليوباترا، إلا أن هذا الزورق غرق بكل من فيه، وتم تخليد أسمائهم على لوحة أسفل المسلة ! انتهى الأمر بعد مناورات بحرية بإنقاذ طاقم "كليوباترا"، ثم قاموا بقطع الحبال التى تربط "كليوباترا" بالسفينة التى تقطرها، وظن الجميع فى هذه اللحظة أن المسلة قد غرقت فى قاع الخليج؛ بيد أن القدر أراد للمسلة أن تنجو من الغرق، إذ طفت "كليوباترا" لأيام حتى عثرت عليها دورية إسبانية، وانتهت رحلتها فى النهاية بتسليمها لإنجلترا بعد دفع ألفين جنيه استرلينى، وهو مبلغ هائل بمقاييس هذه الأيام، تضاف لنحو عشرة آلاف جنيه تكاليف شحنها من الأسكندرية، بخلاف تكاليف إيقافها حيث توجد اليوم محاطة بتمثالى أبى الهول.

تساءلت - ككل المصريين الذين زاروا مسلاتهم فى لندن وفى غيرها - عن ماذا كان يمكن أن يحدث لهذه المسلات لو أنها بقيت فى مصر؟ وما هو حال ما بقى فى مصر من مسلات مصر القديمة؟ وهل استطعنا مع غربة هذه المسلات وهذه الآثار بعيداً عن مصر أن نحدث أى اختراقات ثقافية فى المجتمعات الغربية مثلما نجحت دول أخرى فى إحداث اختراقات بمجرد قصص يُروَى دون أى شواهد على تاريخية هذا القصص؟ وهل استطعنا أصلاً إعادة استكشاف أنفسنا وإحداث اختراقات حضارية لحياتنا نحن فى مصر، أم أننا مازلنا فى مرحلة الشعب الببغاء الذى عقله فى أذنيه؟ وهل لدينا أى عقل تاريخى أصلاً، كان هذا العقل فى الأذن أو بعيداً عنها؟

أياً كانت إجابات هذه التساؤلات، وغيرها كثير، فقد وجدتنى وأنا أقف تحت هذه المسلة المصرية أعود لمصر التى عدت إلى أرضها بعد أيام لأجد نفسى غريباً فيها من جديد ! ... يبدو أن رحلة عودة مصر ستكون طويلة وقاسية، وربما أقسى بكثير من رحلة المسلة التى قادتها من الأسكندرية إلى لندن !

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق