تابعنا على الانترنت
استفتاء

حادثة القنصلية الإنجليزية..بقلم/ المرحوم محمد يسرى سلامة

04/04/2018 05:52


د. محمد يسرى سلامة

استيقظت ذات صباح، منذ اثني عشر عامًا خَلَت (سنة 1998 تحديدا)، فألفيتُ أمي الغالية تبكي بحُرقةٍ وحرارة، وأخبرتني أنها رأت بعض المشاهد المفظعة على شاشة التلفاز لضحايا من أهلنا العراقيين من جراء القصف الأمريكي البريطاني، وكانت عملية (ثعلب الصحراء) حينها على قدمٍ وساق، تقتل وتدمر، في العراق والسودان وأفغانستان.

واطلعتُ على بعض تلك المشاهد ففار دمي، وثارت ثائرتي، وضاقت بي نفسي، فقلت:

لن أسكت، لابد أن أفعل شيئًا، ولابد أن أفعله اليوم!

لم أخبر أحدًا من إخواني في الله وأصدقائي بما أنوي فعلَه، لأني كنت أعلم مسبقًا أنهم لن يوافقوني عليه، وربما منعوني منه، أو تسببوا في رجوعي عنه بتهدئتي وإسكات الغضب عني، ثم إني لا أريد أن يُصاب أحدٌ بأذًي ثم يلومني على ذلك.

ذهبت إلى إحدى المكتبات، وابتعت ورقًا مقوَّى (كرتونًا) وأقلامًا، وأخذت سيارتي، ووقفت في إحدى الشوارع الخالية أدوِّن بعض الشعارات المنددة بالقتل والإجرام والعدوان الغربي الوثني بالعربية والإنجليزية، أخذت على نفسي عهدًا ألا أعود إلى البيت كيلا أجبن وأضعف.

ثم قمت بلصقِ هذه اللافتات على مقدمة السيارة ومؤخرتها والزجاج والأبواب، صارت السيارة مغطاةً باللافتات بشكلٍ كامل، فمن رآها من المارة تعجَّب وضحك.

قدت سيارتي إلى مكانٍ قريبٍ من القنصلية الإنجليزية بالمدينة التي أقطنها، ولو كانت ثمة قنصلية أمريكية لذهبتُ إليها، لكنها كانت قد أقفلت قبل ذلك بسنتين.

رمقتُ الحراسةَ المشددة حول القنصلية، كنت خائفًا كأشدِّ ما يكون الخوف؛ يداي ترتعشان، وقدماي ترتجّان فوق دواسة الوقود، وقلبي يخفق بشدةٍ لا أزال أتذكرها إلى اليوم.

استعنت بالله، وذكرتُه في نفسي، وحزمت أمري، والتففت بالسيارة عدة مرات حول القنصلية حتى وجدت ثغرة بين الحواجز الموضوعة، فدخلت بأقصى سرعة، ولم أتوقف إلا أمام باب القنصلية مباشرة!

خرجت من السيارة مسرعًا، وأخذت أهتف بأعلى صوتٍ ببعض الهتافات التي كنت قد زوَّرتها في نفسي، وأنا ممسكٌ بلافتةٍ في يدي، وقد زال الخوف كليةً من قلبي، زال في لحظة، زال كلُّه، لا أدري كيف حدث هذا، سبحان الملك القدوس.

التفَّ حولي حرس القنصلية من رجال الشرطة وقد بوغتوا، لم يفهموا ما يجري، خاطبوني كأنني مجنون، وأظن أنَّ هذا ما اعتقدوه في البداية، لكنهم سرعان ما أمسكوا بي و(سيطروا) عليّ، لكنهم لم يضربوني، للأمانة، أظنَّ أنهم وجدوا من مظهري وسيارتي ما يدلُّ على أني (ابن ناس) حسب المفهوم الشائع.

خرج اثنان من أمن القنصلية من داخلها مهرولين، وأخذا في تفتيش السيارة، فصرخت فيهم أنهم لا يحق لهم ذلك، لأنهما ليسا من رجال الشرطة، فسبّاني سبًّا قبيحًا، فسببتهم سبًّا قبيحًا، وتفَلَّتُّ من الجنود الممسكين بي واشتبكت معهما ضربًا بالأيدي وركلاً بالأقدام، لكن سرعان ما أعاد أفراد الشرطة السيطرة عليّ، وأخذوني إلى مكانٍ مجاور ريثما تصل (التعزيزات)، وقد وصلت: عربة مدرَّعة، وعربتا (لوري) محملتان بجنود الأمن المركزي، وسيارة مدنية. لم أشعر بأدنى خوف، لقد انكسر الحاجز.

نزل ضباطٌ من السيارة المدنية، وجاءني كبيرهم وقد أمسك بي أفراد الشرطة، وسألني عن بطاقتي ومحل سكني ووظيفتي بأسلوبٍ فجٍّ في البداية، لكنها كانت فجاجةً مصطنعة، تعجَّب حين وجد معي هاتفًا محمولاً، وقد كان محدود الانتشار في ذلك الحين.

 

أُخذت في السيارة المدنية محاطًا بأفراد الشرطة إلى مباحث القسم، ثم إلى مقر أمن الدولة. لكني كنت قد تمكنت من مهاتفة أمي أثناء وجودي في القسم لأخبرها بما فَعَلْت، وألا تقلقَ من غيابي، الغريب أنها لم تبد أيَّ امتعاضٍ أو استنكارٍ أو نبرةَ لوم، وكأنها تبارك ما فعلت، بل أظنها فَرِحَت به.

احتُجزتُ في مقر أمن الدولة، وكانوا قد ألقوا القبض حينها على رجلٍ يدعي النبوة، كذا قالوا، ومعه مجموعة من الرجال والنساء، كانوا مشغولين بهم.

وإن كنت لم أرَ من أحوالهم ما يدلُّ على أنهم أصحاب فكرٍ أو عقيدة، أية عقيدة كانت.

طال انتظاري ساعات ثم ساعات، وأنا لا أدري ماذا سيفعلون بي، لكني لست بنادم، ولست بخائف.

استدعيتُ للتحقيق، وكان الضابط هادئًا دمثَ الخلق في البداية، أعطاني

ورقةً بيضاء وطلب مني كتابة أسماء أصدقائي وأقربائي ومعارفي وجيراني وكل من أمتُّ لهم بصلة، رفضتُ بتأدب، بدعوى أنَّ أحدًا لا علاقةَ له، ولا علمَ له بما أقدمتُ عليه، وهذه حقيقة.

لم يعلِّق، واستمر في الأسئلة المعتادة عن المسجد الذي أصلي فيه، والأماكن التي أرتادها، والسبب الذي لأجله فعلتُ ما فعلت.

قال:

أي عَبَطٍ هذا، ولماذا لم يفعل غيرك مثلما فعلت، أتظن أنك الرجل الوحيد في هذا البلد؟

قلت:

لا أدري لِمَ لم يفعل أحدٌ شيئًا وإخواننا يُقتلون ويُذبحون، لكن لأن يكون في هذا البلد رجلٌ واحد خيرٌ من أن تخلو من الرجال على الإطلاق!

أحسستُ بنوعِ تعاطفٍ منه، حاول إخفاءه بمزيدٍ من التجهُّم وتشنُّج الصوت، حدَّثني كيف أنَّ هذه الأساليب قد تكون مقبولةً في الخارج، لكنها في بلدنا غير مسموحٍ بها، ولا يمكن السماح بها، لأنَّ الأوضاع هشة، ومن الواجب المحافظة على استقرار البلد وأمنه، وإلا صارت فوضى، إلى غير ذلك مما قال.

ازدادت حدتُه، وعلا صوته، فتوجستُ شرًّا، وكان آخر الأمر منه أن هتف فيَّ: لو رأيتك هنا ثانيةً فلن تخرج أبدًا! مفهوم! روَّح!

لم أصدق كلمته الأخيرة، أأذهب؟ فأشار لي بيده أن أفعل.

عدت إلى القسم ثانية لاستلام سيارتي، وعدت إلى منزلي، والحمد لله على ذلك.

علمتُ بعد عودتي أن أمي هاتفت بعضَ أقاربي المتنفِّذين، وأنهم توسطوا في إطلاق سراحي، قبل أن أدخل للتحقيق.

كلُّ هذا أذكره لا من قبيل الفخر والمراءاة، اللهم إني أعوذ بك من ذلك كلِّه، ولكن ما حدث بعد هذا هو المقصود.

علم أصحابي بعد ذلك بما فعلت، فلاموني أشدَّ اللوم، وعاتبوني كأقسى ما يكون العتاب، أحسستُ بعد ذلك أنهم يشكُّون في سلامة قواي العقلية.

قالوا: هذه المظاهرات لا تُجدي نفعًا، ولا يُرجى منها خير، والمفسدة فيها غالبة من دون تحقيق أدنى مصلحة، وهي شعار الغربيين والشيوعيين، لا شأن لنا بها.

ثم إنك لم تشاور أحدًا، وكان يمكنك إلحاق الأذى بنا جميعًا لولا لطف الله، وربما كان هذا صحيحًا، فأستغفر الله من ذلك.

ولم يعد بعضهم في معاملتي كما كانوا قبلها، وربما تجنبوني بالكلية، لكني لم آبه لذلك، لأنَّ شيئًا فيَّ كان قد تغيَّر، وهو شيءٌ لا يمكنهم إدراكه، ولا يمكنني شرحه لهم؛ لقد سقط حاجز الخوف في نفسي إلى غير رجعة، ووجدت أثر ذلك في حياتي بعدها، في الخير والشرِّ سواء.

ذكرت هذه القصة الآن – بعد اثني عشر عامًا من حدوثها- لأني أتعجب من تغيُّر المواقف، وتبدُّل الآراء.

ولئلا يُزايد عليَّ أحدٌ حين أبدي معارضتي لبعض أفعاله؛ يا إخوان:

إنَّ مَن يفعل لا يتكلم، ومَن يتكلَّم لا يفعل، وإنكم تصوِّبون نحو الهدف الخطأ.

حكى لي بعض الإخوة ما حدث قبل سنوات، حين كانت الجامعات تموج بالمظاهرات المنددة بالغزو الغربي الغاشم لبلاد الرافدين، وقد خرج الطلبة جميعهم في هذا الأمر، صالحهم وطالحهم، وقد أخذتهم الحمية، وأثارتهم النخوة، سوى الطلاب (السلفيين)، جلسوا في مسجد الكلية يقرؤون، حتى استجلبوا سخطَ الجميع من موقفهم هذا، وكان هذا الأخ واحدًا منهم، قال لي: لقد أحسستُ بخزيٍ شديدٍ يومها، ولكن لم يسعني مخالفة أصحابي، وتفريق أمرهم؛ وهو مصيبٌ في هذا.

لا أبالغ إن قلت:

لقد كنا نحسُّ بضربٍ من (التلذُّذ) بهذا؛ بمخالفة الناس كلِّهم، والثبات على موقفنا وإن اتهمنا بالسلبية والتخاذل، وغير ذلك من صنوف التُّهَم.

فما الذي جرى؟ لا أدري.

وما الذي تغيَّر؟ لا أدري.

هذه ليست دعوةً إلى التظاهر ولا تخذيلاً عنه، ولكنه حثٌّ ودعوةٌ إلى التفكير العميق:

هل نحن متخبطون؟

هل نعرف حقيقة منهجنا السلفي؟

هل نحن حزبٌ أو جماعة، لها برنامج و (أجندة) خاصة بها، أم جزءٌ من المجتمع؟

هل نظرة البعض الاستعلائية لها ما يسوِّغها؟

ألا ينتهي بنا الأمر أحيانًا إلى أن نقع في كثيرٍ مما ننعاه على الناس وننكره عليهم؟

 

والحمد لله أوَّل الأمر وآخره.

 

5/10/2010



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق