تابعنا على الانترنت
استفتاء

الدكتور محمد المهدى..يكتب: عبقرية الفول والطعمية

24/03/2018 04:37


د. محمد المهدى

كنت أتحدث في التليفون مع صديق إعلامي عزيز حول فكرة برنامج إذاعي أو تليفزيوني نستعرض فيه الشخصيات المصرية العبقرية (وهي كثيرة) ونقوم بتحليل تلك الشخصيات وإظهار مواطن وبواعث العظمة فيها رغم ما عاشته – ربما – من مآسي وصعوبات في حياتنا المصرية التي نعرفها , ووصلنا إلى أن العبقرية لا تكون فقط في الأشخاص ولكن أيضا في الأماكن والأزمنة , وحين وصلنا إلى هذه النقطة كنت قد وصلت أنا بالسيارة إلى مطعم "فلفله" في "المقطم" قريبا من عيادتي حيث تعودت أن أتناول ساندوتش فول وطعمية قبل بدأ نشاطي , وبينما أنا أستمتع بطعم السانوتشين وأتذكر ارتباطي الوثيق بهما منذ الصغر وبحثي عنهما في الإفطار صباحا حين أسافر خارج مصر فأجدهما في بعض الفنادق خاصة في الدول العربية فأكون في غاية السعادة والرضا , وهنا قفز إلى ذهني فكرة عبقرية الفول والطعمية في حياة المصريين بالذات , فهذه الأكلة تميزهم , وتعتبر جزءا من هويتهم , لأنها تتغلغل في حياتهم أكثر مما تتغلغل أي أكلة أخرى , لدرجة أن بعض إخواننا العرب كانوا إذا أرادوا مداعبتنا (أو معاكستنا أو مكايدتنا أو معايرتنا ) قالوا : "يافوّال" (على الرغم من أنهم عشقوا هم أيضا الفول والطعمية وبعضهم انضم إلى نادي الفوالين) , وقد كنت أسعد بهذا اللقب , وأضيف لهم : "أنا مصري عربي مسلم فوّال" .
وأتذكر في طفولتي وصباي أسماء مطاعم الفول والطعمية مثل أبو ستو , وأمين الهنداوي , وغيرهم (لم تكن مطاعم بل دكاكين متواضعة) , وفي شبابي مطعم توتو والشويحي والموافي والسيده زينب في المنصورة , وفي سن أكبر مطاعم فلفله ونعمه والتابعي الدمياطي وجاد والشبراوي والعمده وغيرهم في القاهره .
فماهي ياترى مواطن العبقرية في الفول (الذي قد يبقى فولا كماهو أو يتحول إلى طعمية ) ؟ ... انها كثيرة لا يحصرها عد ولكن نكتفي بمايلي :
• هو أكله للفقير والغني , أي أنه عابر للطبقات الاجتماعية , وموحد للمصريين على حبه
• يأكله المثقف والأمي , وأذكر أن الأستاذ نجيب محفوظ بعد محاولة اغتياله وخضوعه لعمليات جراحية , حين أفاق كان أول مطلبه طبق فول وقرصين طعمية , وهكذا حدث مع كثير من

المبدعين العظام في مصر .
• يؤكل في الصباح والمساء على حد سواء
• هو أشهى أكلة في رمضان , وينافس أعظم الأطباق على الفطور أو السحور
• يأكله الإنسان والحيوان على السواء , وهذا يعلم الإنسان التواضع
• يمسك البطن ويمنع الجوع لفترة طويلة
• بلاهة آكلي الفول , والتي تظهر في بعض مراحل هضمه , قد تكون نوعا من المسكنات والملطفات لمآسي وآلام الحياة , فالفول صديق المعذبين والمتعبين والمقهورين
• يقبل شركاء آخرين على الترابيزة مثل الباذنجان والبطاطس والبيض والعجة والجرجير والبصل والمسقعة ويتناغم جدا معهم في وئام غذائي عجيب , ويتقبل شاكرا وممتنا كوباية الشاي بعده "علشان تحبس" , وبالتالي يصبح هو مظهر من مظاهر قبول الآخر والتعددية في الحياة المصرية
• رخص ثمنه (على الأقل نسبيا )
• يؤكل الفول بأشكال متعددة فهناك فول بالزيت وفول بالطحينة وفول بالسمنه البلدي وفول بالزبدة وفول بزيت الزيتون وفول بالزيت الحار وفول بالليمون , ويضاف عليهم الملح والفلفل والكمون والشطة . هذه التنويعات الثرية لا توجد في أي أكلة أخرى
• وهناك الفول الساده والفول المهروس والفول المقشّر والفول النابت
• يؤكل في مطاعم للأثرياء والطبقة المتوسطة , ويؤكل على عربية في الشارع للفقراء والكادحين
• انتقل من المحلية إلى العالمية فأصبحنا نراه في كثير من الدول العربية وبعض الدول الأجنبية
• لا يسبب الحساسية , وكثير من المرضى يصبح هو الأكلة الآمنة والصحية لهم (باستثناء وحيد في مرضى أنيميا الفول)
• يصنع في "قدره" في المطاعم , ويكمر في "زراوية" توضع في "محمة الفرن" في القرى (قديما شويه) ويطبخ في "حله" أو "كسرونه" أو "دقيّه" (قد تكون بعض هذه الكلمات قد انقرضت فلا تنزعج)
• والطعمية قد تكون أقراصا صغيرة أو كبيرة , وقد تكون كرات , وقد تكون بالسمسم , وقد تكون ساده , وقد تكون بالبيض , وقد تكون بالخضار
لكل هذه الأسباب سالفة الذكر نجد أن الفول والطعمية قد تحولا من مجرد أكلة إلى حالة انتماء وهوية وثقافة وترابط ومتعة .
وكثيرا ماأتمنى إن تكرّم ربي عليّ وأدخلني الجنة أن أجد هناك حاجتي من الفول والطعمية

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق