تابعنا على الانترنت
استفتاء

تحليل سريع لقصيدة "مظاهرة النساء" لحافظ إبراهيم

11/02/2018 11:24


د. إبراهيم عوض

حافظ إبراهيم

(24 فبراير 1872 - 21 يونيو 1932)

خَرَجَ الغَوَاني يحْتَجِجْن

وَرُحْتُ أرقُبُ جمْعَهُنَّهْ

فإذا بهنَّ تَخِذْنَ مِنْ

سُودِ الثِّيابِ شِعَارَهُنَّهْ

فطَلَعنَ مثلَ كواكبٍ

يَسْطَعْنَ في وسطِ الدُّجنَّهْ

وأَخَذْنَ يَجتَزْنَ الطَّريقَ

ودارُ سعدٍ قصدُهُنَّهْ

يَمشِين في كَنَفِ الوَقَارِ

وقد أبَنَّ شُعُورَهُنَّهْ

وإذا بجيشٍ مُقبلٍ

والخيلُ مُطْلَقةُ الأَعِنَّهْ

وإذا الجُنودُ سُيوفُها

قد صُوِّبَتْ لِنُحُورِهِنَّهْ

وإذا المَدافعُ والبَنَادِقُ

والصَّوَارِمُ والأَسِنَّهْ

والخيلُ والفرسانُ قد

ضَرَبَتْ نِطَاقًا حَوْلَهُنَّهْ

والوَردُ والريحانُ فِي

ذاكَ النَّهارِ سِلاحُهُنَّهْ

فتطاحَنَ الجيشانِ ساعاتٍ

تَشِيبُ لَهَا الأَجِنَّهْ

فتَضَعْضَعَ النِّسوانُ

والنِّسوانُ ليس لهُنَّ مُنَّهْ

ثم انهزمْنَ مُشتَّتَاتِ

الشَّمْلِ نحو قُصُورِهنَّهْ

فليهنأ الجيشُ الفَخُورُ

بِنَصرِهِ وبكسْرهنَّهْ

فكأنَّما الألمانُ قد

لَبِسوا البراقعَ بَيْنَهُنَّهْ

وأتوا «بهنْد نبْرجَ»

مُختفيًا بمصر يقودُهُنَّهْ

فلِذاك خافوا بأسَهُنَّ

وأشفَقُوا من كَيْدِهِنَّهْ

هذه القصيدة تُعدُّ، كقصيدة الحُطيئة التي درسناها في شعر العصر الإسلامي والأُموي، قصة قصيرة مستوفية كل شرائط هذا الفن على قدر ما تسمح به طبيعة الشعر، والظروف التي قيلت فيها هذه القصيدة بالذات، وهدف الشاعر من نظمها.

إن حافظًا في مستهل قصيدته يضعنا، دفعة واحدة، في قلب الأحداث: فهاهن النساء يتظاهرن ضد سلطة الاستعمار البريطاني الغشوم، مشاركات بقية طوائف الأمة في ثورتها على المحتل الغاصب، ولكن على قدر ما تسمح به ظروفهن في ذلك الحين، إذ كانت المرأة لا تشارك في الحياة العامة إلا في أضيق الحدود. ومن هنا اكتفت النساء المصريات في ذلك الحين بالتظاهر والاحتجاج. ولأن خروج المرأة على هذا النحو في ذلك الوقت من تاريخ مصر لم يكن أمرًا عاديًا، فقد كان رد فعل الشاعر أن «راح يرقب جمعهنه»، وكأنه غير مصدق لما يرى. وإن كان يؤخذ عليه تسميتهن «بالغواني»، فهي لفظة تناسب مواقف الغزل، وشتان بينها وبين ما النسوة فيه الآن، وما سيتعرضن له بعد قليل.

وبعد أن وضعنا الشاعر في قلب الأحداث أخذ يصف بطلات القصة، فهن قد لبسن سود الثياب (وهذه ملاحظة تنفع الدارس المهتم بتتبع التطورات الاجتماعية التي مرت بها المرأة المصرية، فقد كانت النساء في المدن، حتى ذلك الحين كما هو واضح، لا يزلن متحفظات في ملابسهن، بل إنهن بعامة كن إلى وقت جد قريب، لا يخرجن إلا منتقبات، وقد يكون ارتداؤهن سود الثياب حزنًا على شهداء الثورة). ومع حرص الشاعر على تسجيل جو الوقار والحشمة الذي كان يحيط بهن، فإنه قد أفلتت من لسانه عبارة أخرى غزلية أو شبه غزلية:

فطلعنَ مثلَ كواكبٍ

يَسْطَعْنَ في وسط الدُّجنَّهْ

وإن خففها أنه يمكن فهمها فهمًا رمزيًا، بمعنى أن خروج النساء لمشاركة الرجال في الإعراب عن رفض الاحتلال، وإن اختلف أسلوب كل من الفريقين عن الآخر، قد أضاء نور الأمل. فإن أمة يصر كل أبنائها، رجالًا ونساءً، على تحرير بلادهم لمنتهية إلى الحصول على الاستقلال والحرية المبتغاة إن شاء الله.

ويمضي الشاعر في تتبع ما يجري أمامه، فيذكر وجهة المتظاهرات، وأنها دار سعد، زعيم الثورة آنذاك. ولهذا دلالته، إذ معناه أنهن، كالرجال، متمسكات بسعد، الذي يُمثل الأمة.

وحتى الآن كان لا يزال الموقف، على الأقل في الظاهر، هادئًا، فهاهن المتظاهرات يجتزن الطريق، ويمشين في كنف الوقار. وهنا لا يفوت الشاعر أن يصف من هيئتهن شيئًا لفت نظره بقوة، وهو أنهن قد «أبنَّ شُعورهنه». ويستطيع قارئ اليوم أن يفهم مغزى هذه الإشارة إن عاد إلى ما سلف لتوِّه من أن نساء المدن، بعامة، كنَّ إلى وقت جد قريب لا يخرجن إلا منتقبات، وندر ما كنَّ يُشاركن في الحياة العامة.

وبينما نحن نتابع، مع الشاعر، هذا المشهد الوقور المهيب، الذي لا يُنبئ بشرٍ إذا:

... بجيشٍ مقبلٍ

والخيلُ مطلقةُ الأَعِنَّهْ

وإذا الجنودُ سُيوفُها

قد صُوِّبَتْ لِنُحُورِهِنَّهْ

وإذا المَدافعُ والبَنَادِقُ

والصَّوَارِمُ والأسِنَّهْ

والخيلُ والفرسانُ قد

ضَرَبَتْ نِطَاقًا حَوْلَهُنَّهْ

وعندئذ يتغير كل شيء: فالهدوء يتحول إلى صخب، والسكون إلى خيل تضرب الأرض الصلبة بحوافرها وقد أطلقت أعنتها، والسلم إلى قتال ولكن بين من ومن؟ بين هؤلاء النسوة الرقيقات المسالمات المكتفيات بمجرد التظاهر وبين جنود

الاحتلال. وبينما أولئك يمشين على أقدامهن إذا بهؤلاء قد أقبلوا راكبين خيولًا مطلقة الأعنة لا تبالي بمن في طريقها، فهى تصدمه وتوقعه تحت سنابكها، وقد تقتله. وكذلك بينما أولئك ليس في أيديهن أي نوع من السلاح إذا بهؤلاء قد انتضوا الصوارم والأسنة، وصوَّبوا البنادق والمدافع إلى نُحُورِهِنّه، فيالها من مفاجأة تدعو إلى السخرية بهؤلاء الذين يحاولون أن يثبتوا بطولتهم حيث لا بطولة ولا رجولة.

وتزداد سخرية الشاعر وتصل إلى ذروتها حين يعود بعد ذلك كله فيقول:

والوردُ والريحانُ فِي

ذاك النهارِ سلاحُهُنَّهْ

وأي سلاح، وبخاصة في مواجهة السيوف والرماح ونار البنادق ودانات المدافع!

ويستمر الشاعر في السخرية عندما يضيف: «فتطاحن الجيشان ساعات»، إذ لم تكن المسألة «تطاحنا»، فالتطاحن يكون بين طرفين، كل منهما يطحن الآخر، أما في موقفنا هذا فمن أين لنسوتنا، وليس معهن من «سلاح» في ذاك النهار غير الورد والريحان، بالمقدرة على «طحن» هذه «الوحوش» المندفعة قد ركبت الخيول وتدرعت بالصوارم والبنادق والمدافع والأسنة؟ بل كيف يتسنى أن يستغرق «طحنهن» كل هذا الوقت: «ساعات»؟ يا لها من سخرية، ولكن لمن؟ إن الاستعمار بليد الإحساس، ومثل هذه الاعتبارات لا تشغل باله، وإلا لما جاء من بلاده أصلا.

ولكن الشاعر يتابع سخريته قائلًا: «فتضعضع النسوان» (ولا تشغلنك لفظة «النسوان»، التي ربما أوحت لنا «الآن» بغير معاني الاحترام، فإن بعض الألفاظ تتطور معانيها أو إيحاءاتها. ومثلها (في تغير الإيحاءات التي تشعها) كلمة «غوان»، التي نطلقها الآن أحيانًا على صنف معين من النساء).

ووجه السخرية هو ما يُوحيه الكلام من أن النسوة قد اشتبكن مع هؤلاء الجنود المتوحشين، وهو ما ليس بحق، فلم يكن الأمر معركة، بل كان وحشية مطلقة. ولذلك نرى الشاعر يعود فيصف طبيعة النساء التي هن عليها من «ضعف المُنَّة». ولذلك أيضًا نجده ينصُّ على أنهن عُدْن منهزمات إلى «قصورهنه»، والقصور مرتبطة في أذهاننا بالرقة والترف والبعد عن خشونة الحياة.

وبعد أن يفرغ الشاعر في رواية أحداث قصته نراه لا يحب أن يدع هذا النصر يمر من غير أن يهنئ محرزيه تهنئة هي السم ناقعًا لو كان هؤلاء الوحوش يعقلون. كذلك فهو حريص على أن يعقب بما يلقي الضوء على سر هذا الهجوم الوحشي، «فلعلنا نجد لهؤلاء الكلاب عذرًا!». إن حقيقة الأمر هي أنهم، (وكان بينهم وبين الألمان صراع على أمم العالم المستضعفة) حسبوا أن الألمان قد قامت مرة أخرى قائمتهم، فأتوا إلى مصر يقودهم زعيمهم «هندنبرج»، وتخفوا بين النساء، ولبسوا البراقع إمعانًا في التخفي. ومن ثم فلا تحبوا هجومهم على المتظاهرات توحشًا أو قسوة، فإنهم كانوا يظنوهن جنودًا ألمانيين.

فلِذاك خافوا بَأْسَهُنَّ

وأَشْفَقوا من كَيْدِهِنَّهْ

وبعد، فهذه القصيدة هي كما رأينا قصة قصيرة استهلها الشاعر استهلالًا هادئًا (وإن كان هذا الهدوء ظاهريًا كما اتضح بعد ذلك)، ثم تعقدت الأحداث، وبلغت فجأة ذروتها، لتنحل في نهاية المطاف إلى هذه النتيجة البشعة التي شاهدناها.

والحقيقة أنني لا أظن القصيدة رغم جودتها قد أحدثت أيَّ تأثير لدى المستعمر الغاصب وجنده، فإن معاني النبل والفروسية لا تشغلهم ولا تمر لهم ببال، فهم لم يكونوا ليتركوا بلادهم ويعتلوا موج البحر، ليعودوا من حيث أتَوْا حين يسمعون هذه السخرية. وهم لم يأتوا إلى بلادنا ليربتوا على أكتافنا، ويحملونا إلى الفراش حنوًا وعطفًا ويحكوا لنا «حدوتة» ما قبل النوم بعد أن يسقونا كوب اللبن. إنهم قد دخلوا بلادنا ليستعبدونا ويسرقونا أو يقتلونا، وإن المعركة لطويلة ممتدة، وما زالت فصولها لمَّا تتم، وإن تغيرت الوجوه والأسماء والميادين. ومن هنا فإننا نستغرب طيبة قلوب بعضنا، حين يظنون أننا يمكننا أن نقنع أعداءنا بالحجة والمنطق، أو بإثارة حميتهم بمعاني الشرف والكرامة. وهذا يذكرني بما عرضه الأمير المسلم النبيل عبد القادر الجزائري، فيما قرأت (في المقدمة التي كتبها الدكتور بديع حقي، السوري لديوان هذا الأمير)، على الفرنسيين من مبارزة تتم بينه وبين من يختارونه من قوادهم، بحيث تحسم نتيجة هذه المبارزة المعركة بين المسلمين والفرنسيين للمنتصر من الطرفين المتبارزين. إن الاستعمار لم يقتحم علينا بلادنا وبيوتنا ليبارزنا، فإن المبارزة في الميادين المكشوفة يُحسنها الشرفاء، أما مَصَّاصو دماء الشعوب فلا تهمهم أيٌّ من هذه المعاني النبيلة، فإن الواحد منهم على استعداد للقوادة على زوجته وابنته وأمه في سبيل الفوز بأموالنا وثروات بلادن



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق