تابعنا على الانترنت
استفتاء

كلمة ع الطائر فى حق تفسير صوفى

05/02/2018 02:16


د. إبراهيم عوض

فى تفسيره لسورة "البقرة" فى كتابه: "البحر المسجور فى تفسير القرآن بمحض النور"، وبعد أن شرح قوله تعالى عن الكافرين: "إن الذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتَهم أم لم تنذرْهم لا يؤمنون" بما هو معروف ومقبول على نحو أو على آخر، مضى الشيخ الصوفى أحمد بن مصطفى العلاوى المستغانى الجزائرى (ت1934م) فكتب عن هذا الصنف الكافر من البشر تحت كلمة "الإشارة"، أى تفسير الآية على الطريقة الصوفية ما يلى: "الإشارة: لا تعتبر هذا الصنف البتة لأنهم بمنزلة العوام. إنما نعتبر صنفا آخر كان بالطاغوت كافرا وبما سوى الله فى الجملة، لا يرى مع الله سوى الله، خارج عن دائرة الإنذار والتبشير، لا يزداد إيمانه بترغيب ولا ترهيب، ختم الله على قلوبهم أن يدخلها سواه، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة من أن تسمع أو ترى غيره، ولهم عذاب. قال محيى الدين بن العربى: هو من العذوبة. يعنى: بالنظر للمشار إليه".

وفى هذا التفسير الإشارى تتبدى بهلوانية المتصوفة حين يعملون على لفت الأنظار إلى براعتهم فى قلب الحقائق والإتيان بما يصدم المنطق والعقل السوى رغبة منهم فى التميز عن الآخرين والإيقاع فى نفوس الناس أنهم أذكياء لوذعيون، وكأنهم قد أتوا بما لم يستطعه غيرهم مع الادعاء السخيف بأن هذا الضرب من التفسير إنما قد أتاهم من كشف أغشية الدنيا عن عقولهم، فهم قد تلقوه من السماء مباشرة. وهذا هو المقصود بأن تفسير الشيخ هو تفسير بمحض النور، أى النور الذى يقذفه الله فى قلبه مباشرة دون قراءة كتب أو استماع دروس. والغريب أنه سبق أن فسر الآية التفسير الطبيعى المنطقى، فكيف يوفق بين هذين التفسيرين المتناقضين؟

وسر الخطإ والانحراف فى هذا التفسير يكمن فى تجاهل الشيخ للسياق تجاهلا تاما، وإلا فالسياق هو سياق الحديث عن موقف أصناف البشر من كتاب الله: المتقين، والذين كفروا، والمنافقين الذين يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر، وما هم بمؤمنين، بل يخادعون الله والذين آمنوا، وإن كانوا لا يخدعون سوى أنفسهم. فكيف تقبل الآية الكريمة تفسير الشيخ العلاوى العجيب للكافرين؟ وإذا كان الكافرون هم المؤمنين بالله الذين يكفرون بما سواه... إلى آخر ما قال، فماذا يا ترى يكون المتقون؟ وماذا يكون المنافقون طبقا لهذا التفسير العجيب؟

إنه مثلا يقول إن الذين كفروا (وهم المؤمنون عنده حسبما رأينا من تفسيره) سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ولا يزدادون إيمانا لأنهم مؤمنون تمام الإيمان، فلا يحتاجون إلى إيمان أصلا، ولا يقبل إيمانهم زيادة لأنه قد بلغ الغاية. ولكن لنا هنا سؤالا: هل يقال عن المؤمنين إن النبى ينذرهم؟ فماذا يفعل إذن مع الكافرين والمنافقين؟ هل يبشرهم بالجنة والخلد فيها؟ وهل ختم الله على القلوب ووضع الغشاوة على الأسماع والأبصار يمكن أن

يعنى أنه ختمها عن أن تسمع أو تبصر غيره؟ إن اللغة العربية وأسلوب القرآن ليتضافران على أن هذا ذم وتحقير وتهديد لا مدح وتبشير بحسن العاقبة. كما أن الكلام عن المؤمنين فى السورة قد مضى وانتهى، وانتقل الكلام إلى الكافرين، الذين هم عكس المؤمنين.

قال سبحانه فى سورة "الأنعام": "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)"، وفى سورة "الجاثية": "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23)".

ولم يرد فى القرآن، ولا فى غير القرآن فيما نعلم، "العذاب" بمعنى "العذب" قط. إنما هو من بهلوانيات المتصوفة. وهذا شواهد ثلاثة مما ورد فى القرآن الكريم عن العذاب، وباقيه مثله لا يشذ عنه فى شىء: "وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ" (البقرة/ 10)، "وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ" (البقرة/ 49)، "فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)" (البقرة)...

وفى المعاجم: العَذَابُ عقاب ونكال مؤلم شديد، كلُّ ما شَقَّ على النَّفْس، ألمٌ جسديٌّ أو نفسيٌّ شديد، كلّ ما شقَّ على النَّفس احتماله، عكْسه نعيم. العذابان: عذاب القبر وعذاب جَهنَّم... إلخ.

وأخيرا، وليس آخرا، ما الذى يمكن أن يستفاد من هذا التفسير البهلوانى؟ لا شىء. بالعكس إنه يعلمنا الالتواء وتجاهل السياق والإفساد فى توجيه الكلام بحرفه إلى نقيض معناه. وبهذا تفسد اللغة والمنطق والتفكير ويسود الهلس والبكش ويأخذ سمة الصلاح والتقوى وأنه مستمد من الله سبحانه، ويرسخ فى روع الناس أن هذا هو التفسير الأصيل فيتجرأون على التلاعب والعبث به ولا يعود لآيات الله معنى. ولم تكن هذه طريقة الرسول ولا طريقة الصحابة ولا طريقة علماء اللغة والتفسير والنقد والبلاغة، بل طريقة المتصوفة المغرمين بالشذوذ عن طريق الحق والعقل والمنطق.

وهذه الطريقة تذكرنا بطريقة بعض النقاد الحداثيين الذين يفصلون النص الأدبى عن سياقه ويعملون خناجرهم وسيوفهم فى النص تمزيقا وتفتيتا بينما يئن هو من ضرباتهم دون جدوى، فقد أصموا آذانهم وحجّروا عقولهم فهم لا يفهمون ولا يريدون بل يتلذذون بهذا الشذوذ فى الشرح والتفسير، ومن ورائهم المغفلون، وما أكثرهم، يثنون عليهم ويقولون فيهم قصائد المديح التى لا يستحقون منها حرفا بل يستأهلون نقيضها استئهالا تاما.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق