تابعنا على الانترنت
استفتاء

صفحات من ذكرياتى..سمك لبن تمر هندى

04/12/2017 04:44


د. إبراهيم عوض

ومما لا يزال ملتصقا بالذاكرة من طفولتى الأولى رغم مضى كل هاتيك الأعوام أننى كنت لا أحب الذهاب إلى الكتاب أو جمعية المحافظة على القرآن الكريم كسائر الأطفال فى ذلك الوقت على عكس أطفال هذه الأيام الذين يتعلقون بحَضَاناتهم الجذابة، مفضلا البقاء فى المنزل بجوار والدتى، وكانت سيدة هادئة وطيبة، وكانت تدللنى كثيرا. وكنت، ككل طفل فى مثل سنى فى مثل ظروفى فى ذلك الحين، لا أريد مفارقة البيت وحنان الأم. إلا أنها حملتنى ذات يوم على كتفها بعد أن ارتدت طرحتها، موهمة إياى أننا ذاهبان إلى الجمعية لنحضر السلم الخشبى الذى كان النجار المشغول فى إعداد بعض التُّخَت والمقاعد فى المدرسة يصنعه لنا هناك. والعجيب أننى كنت أبصر تحت طرحتها اللوح الإردوازى الذى نتعلم فيه الكتابة، وهو ما يعنى، لو كنت ولدا ذكيا فطنا (هذا لو كنت!)، أن النية مبيتة على تركى هناك والعودة بدونى. إلا أننى لم ألق بالا إلى ذلك مفضلا إيهام نفسى بأن الأمور لن تصل إلى هذا الحد، فنحن ذاهبان لإحضار السلم، فماذا فى ذلك من خطر يتهددنى؟ ولنفترض أننى كنت ولدا ذكيا فطنا، وهو ما لم أكنه، فهل كنت لأغامر بالقفز من فوق كتف والدتى والنزول على جذور رقبتى؟ وما إن وصلتْ أمى، طيب الله ثراها، إلى الفصل حتى أنزلتنى من فوق كتفها، بعد أن كانت تدللنى طوال الطريق لتخديرى، ووضعتنى على الأرض وقد صُوِّبَتْ عيون التلاميذ كلهم نحوى، وتركتنى ومضت وأنا أبكى. ولكن كما يقول المثل: اضحك تضحك لك الدنيا. ابك تبك وحدك. وقد بكيت فى ذلك الضحى وحدى، ولكنه بكاء أفضل مليار مرة من الضحك، الذى كان معناه البقاء فى المنزل بجوار والدتى مع استمرارى جاهلا لا أتعلم.
وكانت أمى، حسبما بقى فى خيالى من صورها وكلامها ومواقفها، سيدة طيبة هادئة كما قلت، وكانت تحكى لنا الحواديت والحكايات الفكاهية، وكانت أمية لا تقرأ ولا تكتب ككل نساء القرى تقريبا. ولا أزال أحتفظ لها بمنظر لا أدرى مدى مبلغه من الصحة والدقة يضمها هى وبعض من نسوة الشارع، وقد حملن على رؤوسهن قُفَف القمح فى طريقهن إلى الترعة التى فى طرف القرية المؤدى إلى عزبة حسام الدين ليغسلنها ثم ينشرنها فى الشمس على الحصر لتجف قبل أن يذهبن بها إلى ماكينة الطحين، وهن يغنين أغنية أم كلثوم: "على بلد المحبوب وَدِّينِى"، وكنت كالعادة أتبعها مستمتعا بوجودى إلى جوارها، وهو ما ألاحظه فى حفيدىَّ الكبيرين ابْنَىْ علاء الدين: لالة وخالد، فهما دائما ما يعبران عن رغبتهما فى الذهاب إلى "ماما"، فأتذكرنى وأنا صغير مثلهما أحب أن أكون مع "أمى" دائما. بيد أن أمى قد رحلت عنا مبكرة جدا، إذ ماتت وأنا فى الخامسة أو السادسة من عمرى، ثم تبعها أبى بعد عدة سنين ولما أبلغ التاسعة، وقبلهما مات خال لى شاب ميتة مأساوية هو أيضا، فانطبعت حياتنا بحزن ثقيل أحاول بطبعى الفَكِه، دون وعى منى، أن أعادله حتى لا يؤودنى حمله. ومن الذكريات العالقة بذهنى لا تفارقه: الليلةُ التى ماتت فيها أمى، إذ أذكر أنهم أيقظونا ليلا ونقلونا إلى بيت جيراننا حيث كان أولادهم مستيقظين يلعبون معنا، وربما قدموا لنا طعاما ريفيا بسيطا بغية شغلنا عن الحزن الذى كان يملأ الأجواء آنذاك. ودائما أتصور أن ذلك كان قبيل الفجر، وأننا كنا فى ذلك الحين نعرف أن أمنا قد ماتت، ولكن دون أن نفهم أبعاد الأمر أو ندرك معناه نظرا لصغر سننا آنذاك. 
ورغم اتساع ثقافتى مع الأيام وقراءاتى المتعمقة فى القرآن الكريم وأحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام أرانى عاجزا تماما عن تخيل الظروف التى يعيش فيها الموتى فى العالم الآخر، وبخاصة من أحبهم وأنشغل بمصيرهم كوالدتى ووالدى... أما بالنسبة لنفسى فقد كنت، وأنا طفل صغير، أفزع من الموت وأتخيلنى وقد جاء "الوحش" أو "الغول" بعد دفنى، ونَبَش قبرى واستخرج جثتى والتهمها، وضِعْتُ أنا فى جوف الغول بعد أن أكون قد تألمت آلاما فظيعة أثناء تكسيره لعظامى ونهشه للحمى. لكنى الآن أعرف أن جسدى سوف يتحلل إلى عناصره الأولية ويرجع كما كان ترابا وهواء ليدخل فى تكوين موجودات جديدة، ولا أتخيل عناصر جسدى بعد الموت إلا هائمة فى أرجاء الحقول مع الرياح والشجر والفراشات والطيور والنباتات والمياه، ولا أتصورها أبدا هائمة فى المدن حيث الضجيج وعادم السيارات وكل مظاهر القبح والتشوه والتلوث وانعدام شعور كل واحد بالآخرين. أما روحى فيقوم بينى وبين تصور ظروف حياتها فى عالم الغيب قبل البعث جدار صلب سميك لا يمكن اختراقه.
وكنت، إلى ما قبل سنوات، أتألم أشد الألم حين أفكر أننى سوف أموت، إلا أننى رُضْتُ نفسى على التسليم بحقائق الحياة وأوضاعها التى لا يمكن أن يفلت من الخضوع لها أى إنسان أو مخلوق حتى صرت أتقبل فكرة الموت تقبلا تاما. المهم ألا يكون موتا فيه معاناة وألم. وإنى أدعو الله أن يتم موتى كما يتم انطفاء المصباح الكهربى حيث يسود الظلام فى التو واللحظة بمجرد الضغط على مفتاح النور. ثم إن أملى الشديد فى رحمة الله وفضولى العاتى إلى معرفة ما ينتظرنا هناك فى الضفة الأخرى من الكون قد انتهيا بى إلى عدم الفزع من الموت، الذى دائما ما أذكره فى حديثى مع نفسى أو فى حديثى مع الآخرين، خصوصا إذا كنت أريد أن أحمّس باحثا إلى الانتهاء من رسالته التى أشرف عليها فأقول له مثلا: أرجو زيادة نشاطك حتى تنتهى من رسالتك وتحصل على الدرجة العلمية، فنحن لا نعرف الظروف يا بُنَىّ، وقد أموت فتجد نفسك فى حيص بيص. فيأتينى الجواب دائما: بعد الشر يا دكتور. ربنا يعطيك طول العمر. فأقول: إننى أتحدث عن احتمال قائم، فأرجو سرعة الإنجاز! ولست أشعر آنذاك بتشاؤم ولا يخطر ببالى أبدا أن سيرة الموت قد توقظ الموت من مرقده وتُذَكِّره بى بعد أن كان غافلا عنى كما يعتقد كثير من الناس. 
وكنا نتعلم أحيانا فى جمعية المحافظة على القرآن الكريم، وأحيانا فى كتاب سيدنا الشيخ مرسى كما كنا نسميه من باب الاحترام والخوف، رحمه الله وبوأه جنة الفردوس كفاء ما عَلَّم من أجيال وحَفِظ كتاب الله تعالى وحفَّظه وعوَّدنا الجِدّ المر والصلابة الخشنة التى لولا هى لانهرنا عند أول منعطف من منعطفات التعليم رغم أننا لم نكن ندرك قيمة ذلك الرجل الكفيف الذى فتّح أبصارنا وبصائرنا وأرشدنا إلى الطريق السوى المستقيم. وكنا فى الكتاب نجلس على حصير متهرئ قديم فى العادة مفروش على مساطب ملتصقة بالجدران أو قائمة فى وسط الكتاب، أونجلس على الأرض دون فراش لأن المصاطب لا تتسع لكل التلاميذ. وكان الدجاج كثيرا ما يتقافز حولنا لأن الكتاب كان يقوم أمام منزل سيدنا الشيخ مرسى، فكان زيتهم فى دقيقهم. كما كانت هناك البراغيث بطبيعة الحال، بيد أننا لم نكن نحس بها لأن عددنا كان كبيرا بحيث كان قسط كل تلميذ من البراغيث لا يكاد يذكر. وكنا نرى بنت سيدنا الشيخ مرسى، عمتى محضية، وبناتها حفيدات سيدنا، وأخاهم قطب، الذى كان يلقب فى ذلك الوقت بـ"حنكوش"، وصار الآن شيخا محترما يمشى فى وقار وتحفظ، وكلما رأيته تذكرت جده ووالدته، وكانت سيدة طيبة تهرع للتشفع لنا عند أبيها فى بعض الأحيان، فلم نكن ننسى لها هذا الجميل. كما أحب أن أداعبه كلما قابلته عند دكان محمد العزلة ابن خالى بالقرية. وللشيخ قطب صوت جميل، وكثيرا ما نسمعه فى المآتم يجلجل صوته فى مكبر الصوت حين يكون هناك معزى فى مسجد سيدى أبو الريش. 
وكنا نشرب من الخابية التى تملأها لنا العمة محضية، أما إذا أردنا قضاء الحاجة فأغلب الظن أننا كنا نذهب إلى مراحيض مسجد سيدى شهوان على بعد بضع عشرات من الأمتار. وكنتَ إذا أقبلتَ على الكتاب راعك صخب وضجيج وتداخل فى الأصوات وبكاء صادر عمن يكون سيدنا قد انهال عليه من الأولاد بعصاه، التى لا ترحم ولا تبصر طريقها ولا تبالى أن تبصره، فهى عصا الفقيه، وعصا الفقيه من الجنة، فمن حقه أن يضرب بها دون حساب للعواقب ولا احتراس أو حذر. فكان المكان أشبه ما يكون بعشة فراخ. لكن العجيب أن عشة الفراخ هذه هى التى تربينا فيها وصرنا ما صرناه. فاللهم ارحم سيدنا الشيخ مرسى ووسع له فى نزله وأسكنه الفردوس فى أعلى عليين، وارحم كل من علمنا مع الشيخ مرسى شيئا من القرآن أو الإملاء والحساب والخط، وهو كل ما تعلمناه فى الكتاب وجمعية المحافظة، ومنه كانت البداية لكل شىء فى حياتنا العلمية والفكرية. 
وكنا فى طفولتنا نؤمن بالعفاريت والجن والأشباح، ونعتقد أن أختنا من الجن يمكن أن تخطفنا وتأخذنا إلى تحت الأرض إذا حل المغرب وظللنا نلعب فى الشارع، ولم نعد إلى البيت. كما كنا نعتقد أيضا أن كل من مات قتيلا لا بد أن يظهر له عفريت. ويرجع ذلك إلى الظلام الذى كان يحط على القرى منذ المغرب، ثم ينشر أطنابه تماما عقب صلاة العشاء. أضف إلى ذلك الأمية والجهل والفهم الخاطئ لمعنى الجن، الذين ورد ذكرهم فى القرآن والحديث. لقد كنا نرتعب من الليل والظلام، ونخاف من الوحدة، ونحرص على أن نكون موجودين فى جماعة. وحين ننام كنا نتصور أن العفريت سوف يأتى ويخطفنا ويأكلنا، فلا نجد حلا سوى أن نبقى المصباح الكئيب الواهن مضاء، مع تغطية وجوهنا وأعيننا حتى لا يرانا العفريت عندما يحضر. ذلك أننا ما دمنا لا نراه فإنه لن يرانا. وهناك أيضا النداهة، التى تأتى فتندهك قبيل الفجر سابقة زميلك الفلاح الذى اتَّفَقْتَ معه فى صلاة العشاء أن يمر بك ويوقظك حتى تذهبا إلى الغيط فترويا الأرض قبل انتهاء دورة السقاية. لقد سمعتكما النداهة، وها هى ذى قد أتت إليك وأخذت تنادى عليك من تحت الشباك مقلدة صوت زميلك بالضبط، وقد اتخذت سَمْتَه وشكله وملابسه، حتى إذا ما تركتما القرية واستقبلتما الحقول ولم يعد هناك من يسمعك أو يغيثك إن صرختَ طالبا المساعدة كشفتْ لك عن حقيقتها واغتالتك. لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم! ضاع الرجل يا ولداه! أما أولاد الفلاحين فقد كنا ننظر إليهم على أنهم كائنات أسطورية حين نسمع أنهم لا يبالون بالمقابر الموجودة على أطراف القرية ويجتازونها إلى الحقول كى يشتركوا مع أهليهم فى سقاية الأرض ليلا. وكنا نتصور أن جرأتهم العجيبة هذه راجعة إلى أنهم أكلوا كبد ذئب من الذئاب اصطادوه من الغيط، واستخرجوها وشَوَوْها والتهموها.
وكانت حكايات العفاريت والأشباح أكثر من الهم على القلب. صحيح أنها كانت تسلينا، لكنها كانت تسلية مرعبة نستمتع بها أثناء سماعنا لها، لكن سرعان ما تنقلب رعبا هائلا بعد ذلك حين يَجِنّ الظلام، إذ تتجسم الأوهام لتحاصرنا بالأشباح من كل اتجاه. وكان كل ركن أو زُقْر أو مكانٍ خَرِبٍ يختص بعفريته: فالمعصرة ("المحصرة" بلغة القرية) موضع العفريت الخاص بالخواجة الذى كان يمتلكها. فإذا ما قدر لك أن تمر ليلا من هناك وحدك سمعت صوت الأوتوبيس ("الكافورى" كما كان أهل القرية يسمونه)، وهو يتكتك بقيادة الخواجة. وقبل ذلك بقليل، وتحت نخلة العسال فى الركن المعتم وسط الحارة الضيقة والبيوت الصغيرة المتلاصقة حيث يذبح المعلم محمد العسال بقره وجاموسه فى المواسم والأعياد بعيدا عن السلخانة، سوف تجد الأرانب وتملأ منها حجر جلبابك بالكوم، ولكنك ما إن تصل إلى بيتك وتفتح حجرك حتى تفاجأ بأنه لم يعد هناك أرانب ولا يحزنون. ترى أين ذهبت؟ ألا تفهم؟ يا لك من غبى! (آسف، لا أقصد أن أشتمك، بل كل ما هنالك أن الحكاية قد حُبِكَتْ، فكان لا بد أن أقولها هكذا!). وبعد المعصرة فى اتجاه بيت خالى، وقبله ببيت واحد هناك زُقْر بَكْر. وإياك أن تمر وحدك به ليلا، فضلا عن أن تُقِلّ عقلك وتدخله. ذلك أن هناك القربة التى تزحف على الأرض وهى تئن أنينا. لقد رَبَّتْ هذه القربة لى الخفيف وأنا ولد صغير حتى لأذكر أننى وأطفال الحارة اجتمعنا ذات ليلة على مصطبة عم حسينى أبو صيرة وأخذنا نتبادل حكاية الحواديت قريبا من ضوء دكان خالى المنعكس على جدار بيت أبو صيرة، ثم لحظى الأسود المطين بستين نيلة احتجت أن أتبول. لكن ما العمل، وهناك على مبعدة بضعة أمتار زُقْر بكر والقربة؟ لقد تسمرت فى مكانى تقريبا وأنا أنظر ناحية زملائى وتبولت، ولم أجرؤ على الابتعاد عنهم ولو مترا واحدا. وهل أنا مجنون إلى هذا الحد حتى أغامر بحياتى فتخطفنى القربة؟ 
فإذا ما انحدرتَ ببصرك (ببصرك فقط!) ناحية بيت الشيخ أحمد زيد صانع القفف والغلقان مرورا بمسجد أبو الريش، فيا ويلك ويا سواد ليلك إن فقدت رشدك وفكرت فى العبور من هناك بعد أن تنقطع الرجل. لسوف تجد حمارا هائما فى الحارة ليس له صاحب، ولسوف تتصرف بحماقة ما بعدها حماقة فتركبه تريد أن تأخذه إلى بيتكم ليكون لك حمارٌ مُلْكٌ دون أن تدفع مليما واحد (هذا طبعا أيام الملاليم!). ولكن حذار! إياك أن تفعل! أووووووووه! يا خيبتك القوية! لقد ركبت الحمار؟ إذن فتحمَّلْ ما يقع لك، وذنبك على جنبك. هأنتذا قد طار الحمار بك فى الجو، وأنت ذاهل قد تبدد عقلك شَعَاعًا من الرعب خوفا أن تنقلب عن ظهره وتسقط من حالق فتندق عنقك. ولكن أليس معك فى سَيَّالتك مِسَلَّة كالتى يستعملها صانعو الققف والغلقان؟ إذن فأخرجها من سيالتك سريعا، واغرزها فى جنب الحمار. نعم هكذا بالضبط. والآن ها هو ذا الحمار يئن، ويرجوك أن ترحمه ويشرع فى التطامن والنزول رويدا رويدا حتى يلامس الأرض فتقفز من فوق ظهره، وأنت لا تصدق بالنجاة. وها هو ذا الحمار يبرطع مبتعدا عنك وهو يصدر من مؤخرته ضراطا مزعجا يحييك ويقول لك: "باى باى"! طبعا ليس "باى باى" بالضبط، ولكن شيئا بمعناها. فالحمير، كما تعرف، لا ترطن بالإنجليزية، كما أن أهل القرية فى ذلك الوقت المبكر من خمسينات القرن الماضى لم يكونوا يفهمون لغة جونبول، ولا الآن وحياتك! على كل حال عليك أن تحمد الله أنْ نزلت بالسلامة، وإياك أن تفعلها مرة أخرى. 
وهناك العفريت الذى كنا نتبادل قصته وما فعله برجل من أهل القرية كان سهران ذات ليلة فى الغيط لسبب من الأسباب التى تدعو الفلاحين إلى السهر فى غيطانهم، وبدا للرجل أن يأكل بعض كيزان الذرة الخضراء، فخلع بعض الكيزان من الحقل المجاور وبدأ ينزع أغلفتها استعدادا لشيها على النار، التى كان قد جمع لها بعض الحطب، وشرع يشعل النار ويضع عليها الكيزان، إلا أنه احتاج مزيدا من الحطب. وهنا وجد أمامه رجلا فلاحا مثله يجلس أمامه، وإن كان لم يسبق له أن رآه، ويريد أن يأكل معه من الذرة، فالتمس منه أن يحضر بعض الحطب الإضافى، فقام الرجل الضيف وغاب قليلا ثم عاد وتحت إبطه حمل بعير (حمل بعير حقيقى لا مجازى طبقا للحكاية) من الحطب، وهو ما أثار دهشة صاحب النار، لكنه انصرف رغم ذلك إلى شى كيزان الذرة، فلاحظ أن النار كلما شبت وطيرها الهواء ناحية الضيف فزع وابتعد بطريقة غير طبيعية، فحانت منه نظرة إلى قدميه فرأى بدلا منهما حافرين كحافرى الحمار، وعندئذ عرف أنه أمام عفريت من الجن لا رجل من الإنس. 
لكنه لم يُظْهِر شيئا مما يدور فى نفسه، وحرص طوال الوقت على أن يطير شعل النار ناحية العفريت كأن الأمر يحدث عفوا، فيبتعد العفريت فى فزع. بيد أنه لم يجد مناصا من مغادرة المكان فى آخر المطاف حين أوشكت النار أن تنطفئ ولن يعود هناك ما يستطيع إفزاع العفريت به، ثم عدا بأقصى ما يستطيع ناحية القرية، وهو يصيح بأعلى صوته دون أن يسمعه أحد بطبيعة الحال فى أرجاء الحقول. وحينما كان يجتاز المقابر قابله أحد رجال القرية، فسأله عما به، فحكى له الحكاية من طَقْطَقْ لسلامٌ عليكم منهيا حكايته بأن الرجل الذى كان يجالسه له حافران لا قدمان. وهنا كشف له الرجل عن قدميه متسائلا: مثل هذين الحافرين؟ وهنا طَبَّ ساكتا ميتا فى الحال، رحمه الله. بالله عليكم أليست قصة رائعة رغم ما فيها من رعب ولا رعب أفلام هيتشكوك؟ والمضحك أننا جميعا كنا ننسى السؤال البسيط الذى لا يد أن يثور فى ذهن أى إنسان عنده عقل، وهو: إذا كان صاحب القصة وبطلها قد طب ساكتا، فمن يا ترى نقلها إلينا؟ لكن هل كان عندنا فى ذلك الوقت عقل نفكر فيه فى مثل تلك الأسئلة البسيطة، والمنطقية رغم ذلك؟ وهل لو كان عندنا عقل يطرح مثل ذلك السؤال أكنا نعتقد أصلا فى العفاريت؟ ثم لما كبرتُ سمعتُ نفس القصة فى قرى أخرى، وإن كان بطلها ينتمى فى كل مرة إلى تلك القرية. فعرفت، ولكن بعد قوات الأوان، أنها حكاية مصنوعة ليس لها ظل من الحقيقة. 
ومما له صلة بما نحن فيه هنا أننى، بعدما كبرت وصرت مدرسا مساعدا بالجامعة، كتبت قصة قصيرة اسمها: "زُقْر جاد" صورتُ من خلالها صورة ذلك الزقر المرعب فى خيالنا ونحن صغار. وقد قرأتها على صديقى ابن الإسكندرية الأستاذ صلاح أبو النجا (صديق أيام الجامعة) حين كان يزورنى قى شقتى فلاحظت أنه كان صامتا لا يظهر عليه أى انفعال أو رد فعل، فشعرت بشىء من الإحباط لأن القصة لم تعجبه ولم تحرك فى مشاعره أو خيالاته ساكنا، لكنْ ما إن انتهيتُ من القراءة حتى رأيته يأخذ نفسا عميقا ويستعيد وعيه الذى كانت القصة قد استولت عليه أثناء قراءتى لها، وشرع يصف وقع القصة العجيب عليه. وكنت، بعد سفرى إلى أكسفورد، أرسل إليه بعض الأشياء التى أكلفه توصيلها إلى أقاربى فى القرية، فانتهز أول زورة له هناك وطلب منهم أن يرى زقر جاد هذا الذى استولى وصفى له على كل كيانه ذات ليلة فى شقتى بحدائق القبة بالقاهرة. إلا أنه فوجئ بأنه زقر غير مخيف رغم ضيقه والتوائه. فكان تعليقى له أنه يرى الزقر بعين الرجل الإسكندرانى الذى لا يؤمن بالعفاريت أو على الأقل: لم يعد يؤمن بالعفاريت بعدما تخرج من الجامعة ودرس العلوم السياسية فى كلية السياسة والاقتصاد، فضلا عن أنه رأى الزقر نهارا والشمس فى كبد السماء تنيره إنارة ساطعة لا ليلا. وحتى لو كان زاره ليلا لقد كانت الكهرباء قد دخلت القرية، ولم يعد هناك زقر مظلم تسرح فيه العفاريت براحتها. ثم هناك التراث العفاريتى الذى كان يملأ علينا حياتنا والقصص المرعبة التى كان الجميع يتداولونها على أنها حقائق لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. فوافقنى على تحليلى. ثم أضفت وأنا أضحك متهكما على نفسى: ثم لا تنس براعة صديقك الفنية فى صوغ القصة وإبداعها. وهنا لم يكن أمامه مفر من الإقرار بوجاهة ذلك الاعتبار، وإلا أحضرت له العفريت أبا حوافر، وهو غير مستعد للاستغناء عن حياته الغالية، فهو رجل عاقل! 
وتصادف أن بدأت، بعدما كتبت هذا الكلام هنا بأيام، أقرأ رواية "عالم على قضبان" للسعيد أحمد نجم (ابن إحدى القرى بالمنصورة)، وهى سادس رواية أقرؤها له، فهو روائى موهوب، ولو كان للأسلوب عنده اعتبار أكبر من هذا لكان ممن يشار إليهم بالبنان. وكان أخو زوجته د. مصطفى السعيد قد أرسلها لى بالبريد منذ عدة أيام، ففتحتها البارحة، وما إن شرعت أقرأ حتى اعترانى ضحك لاإرادى من براعة وصف المؤلف للقطار المتهدم الذى يمر بقريتهم وما يقع فيه من حوادثَ مضحكةٍ لا يمكن أن تخطر لأحد خارج مصر ببال. ومما قرأته فيها أيضا السطور التالية التى أنقلها لكم بقليل جدا من التصرف، وهى عن العفاريت واعتقاد أهل القرى المصرية فيهم. يقول نجم عن محطة القطار بالمنصورة: "المحطة الرئيسية بها نهايات الخطوط. تنتهي بها أيضًا حياة أشخاص. يتصادف أن يرجع القطار فجأة للخلف، وقد يشاء الحظ العاثر أن يمر أحد الركاب أمام الصدادة في ذات الوقت، فيطحنه القطار طحنًا بينه وبين صدادته. تغطَّى الضحية بورق الجرائد إلى أن تتم الإجراءات الرسمية، وعلى أهل الضحية تحمل أقدارهم! وتهتز جنبات القرية الرئيسة، ويسكن الخوف قلوب الصغار ويتمكن، ويغزو قلوب الكبار، وتنتقل الحكايات المرعبة عبر المصاطب المنتشرة في جوف القرية وفي الليالي القمرية. فإذا ما انتهت جلسات المصاطب كان طريق معظم الرواد إلى بيوتهم طريق أشباح مرعبة، فتهتز القلوب بعنف تكاد تكف عن خفقانها.
مات أحد سكان القرية الكبيرة، دهسته عجلات القطار، فرمته فرمًا. منظر جثته خلد في ذاكرة من رأوها رعبًا مجسمًا. تنقل المصاطب أن قرينه الأرضي يتقمص شخصية القطار، يصدر أصواتًا كصوت محركه وجلبة عجلاته، ويطلق صفاراته يجوب حارة القتيل بعد منتصف الليل جيئةً وذهابًا، وأن أهل حارته يعرفون موعده، يسمعونه، فينكمشون رعبًا داخل بيوتهم، بل

داخل ذواتهم لا تصدر من أحد منهم حركة، فقد جمدهم الخوف. بعضهم رأى القرين رؤية العين فلاذوا بالفرار لا يصدقون نجاتهم. تحمل أحاديث المصاطب أن لكل قتيل عفريتًا يسكن حيثما كان القتيل يسكن، يمثل كيف دار القتل إلى أجل غير مسمى. كثر من سمعوا قرين ضحية القطار، فاحتل الرعب معظم ساكني القرية، لكن قلائل لا يوقنون بمسألة العفاريت، يشككون في صحتها ويحيلونها إلى مجرد خيالات سقيمة. 
تصادف أن رأى أحدهم هذا "القرين"، فداخله الخوف، لكنه قاومه وقلبه يهتز. القرين يصدر نفس أصوات القطار، ويطلق صفارة كصفارته، والرجل يراقبه من بعيد، والقرين يذهب في الحارة ويجيء، والحارة في سكون القبور ووجومها. انتهى القرين من جولته الليلية. أطفأ شعلته الزيتية، وكف عن إصدار جلبته ثم مشى كما يمشي الناس، والرجل يراقبه، يساعده ضوء خافت للقمر. تتبعه الرجل إلى حارة أخرى لا تفوته لحظة. وقف القرين أمام بيت. دق الباب ونطق بصوت يميزه الرجل تمامًا:
- افتحي. أنا جوزك.
- يا بن الـ... صاح الرجل. 
وانقض على الذي أيقنت القرية أنه القرين، وأمسك بخناقه. الرجل قوي فارع الطول بينما الذي كان منذ دقائق قرينًا ضعيفًا قصيرًا لا حول له ولا قوة. الصوت الجهوري للرجل أيقظ البعض فهرعوا إلى حث الرجلين. والرجل قابض على ملابس عجيبة كان يرتديها القرين في جولته الليلية يخلعها قبيل بيته". 
وهناك حديث منسوب الرواية إلى أبى هريرة يقول فيه الصحابى الجليل (إن كان هو صاحب الرواية فعلا): "وَكَّلَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذتُه وقلتُ: لأرفعنَّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: إني محتاج، وعليَّ عيال، ولي حاجة شديدة! قال: فخليتُ عنه. فأصبحت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجةً شديدةً وعيالاً، فرحمتُه وخليتُ سبيله. قال: أما إنه قد كَذَبَك وسيعود. فعرفتُ أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود. فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: دعني، فإني محتاج، وعليَّ عيال. لا أعود! فرحمتُه وخليتُ سبيله. فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله. قال: أما إنه قد كذبك، وسيعود. فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود، ثم تعود. فقال: دَعْنِي أُعَلِّمْْك كلماتٍ ينفعك الله بها. قلت: ما هُنَّ؟ قال: إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليتُ سبيله، فأصبحتُ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله. قال: وما هي؟ قال: قال لي: إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم". وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح (وكانوا أحرص شيء على الخير). فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أَمَا إنه صَدَقَكَ، وهو كذوب. تَعْلَمْ من تخاطب ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قلت: لا. قال: ذاك شيطان".
والآن هل فى هذا الحديث، إن كان حديثا صحيحا، ما يدل على وجود العفاريت بالمعنى الذى يفهمه الناس، والعوامّ منهم على وجه الخصوص؟ ذلك أن الرسول يخبر أبا هريرة بأن الشخص الذى أمسك به ثلاث مرات ثم أطلقه عطفا عليه وتقديرا لحاجته وحاجة أولاده إلى الطعام إنما هو شيطان. وسوف يقول أصحاب العفاريت: ها هو ذا الرسول يقول إنه شيطان. وردى على هذا أنه لا يحل الإشكال. ذلك أن الشيطان قد يكون معناها شيطانا من شياطين الإنس، وما أكثرهم! وفى القرآن أن هناك شياطين الإنس مثلما هناك شياطين الجن. وهذا ما يتبادر إلى ذهنى للوهلة الأولى. إلا أن ثمة عدة أسئلة مهمة هى: هل يعقل أن يكون بين سكان المدينة المنورة فى ذلك الوقت حين كانت قرية صغيرة محدودة، وكل شخص يعرف كل شخص هناك، من يجهله أبو هريرة؟ فكيف لم يعرف رضى الله عنه اللص الذى ضبطه وهو يعبئ القمح فى غرارته أو فى حجر ثوبه؟ وكيف صدقه وهو يعرف جيدا أن الرسول لم يكن يترك محتاجا دون أن يعطيه ما يحتاجه هو وبيته من مال الصدقة؟ بل كيف تكتم الخبر وستر على اللص وهو ليس صاحب المال المسروق؟ بل هل كان يمكن أن يدور فى خاطر أحد آنذاك أن يسرق من مال الصدقة؟ وكيف تركه دون أن يسأله: من أنت؟ وكيف وصلت إلى هنا؟ بل كيف سكت عليه ثلاث مرات دون أن يبلغ رسول الله بما وقع حتى إن الرسول هو الذى كان يفاتحه فى ذلك الموضوع؟ بل كيف لم يقل للص إنه سوف يشرح للرسول أحواله هو وأسرته حتى يجعلهم على قائمة مستحقى الزكاة؟ ولماذا لم يأت الرجل بعد ذلك فى الليالى التالية؟ أم لعله كان من أصحاب نظرية "التالتة تابتة"؟ وأخيرا، وليس آخرا، هذه أول وآخر مرة يحدث فيها شىء مثل ذلك. أليس ذلك غريبا؟
هذه هى الأسئلة التى تثور فى الذهن حال قراءة ذلك الحديث إذا وضعنا فى أذهاننا أن يكون اللص شيطانا من شياطين الإنس؟ لكن لا يحسب المعتقدون فى وجود العفاريت بالمعنى العام أن ليس أمامنا من مفر إذن إلا بالأخذ بالتفسير الآخر، وهو أن اللص شيطان من شياطين الجن من إخوة العفاريت أو على الأقل: من أبناء عمومتهم أو خؤولتهم. ذلك أن توجيه الحديث إلى هذه الناحية يثير من المشاكل أكثر وأعقد مما يثيره التفسير السابق. كيف؟ أولا هل الشياطين تحتاج إلى الأكل من طعامنا نحن البشر؟ ذلك أن هناك أحاديث تقول إن الجن، الجنس الذى ينتمى إليه الشياطين، يأكلون العَظْم والرَّوْث. فما القول فى هذا؟ يروى أبو هريرة أن النبى عليه السلام قد حدث المسلمين ذات يوم قائلا: "إذا ذَهبَ أحدُكم إلى الغائطِ فلا يستقبِلِ القبلةَ ولا يستدبِرْها لغائطٍ ولا لبولٍ، ولْيَسْتَنْجِ بثلاثةِ أحجارٍ. ونَهَى عنِ الرَّوْثِ والرِّمَّةِ وأن يستَنجيَ الرَّجلُ بيمينِهِ". وفى حديث آخر، وعن أبى هريرة أيضا: "قلتُ: ما بالُ الرَّوثِ والعظمِ؟ قال: هما طعامُ الجنِّ".
وإذا قلنا، رغم ذلك، إنها تأكل مثلنا، فهل تأكل يا ترى نفس الطعام وبنفس الطريقة بحيث يحتاج شيطاننا هذا إلى سرقة القمح؟ وماذا يفعل الشياطين بالقمح؟ هل لديهم رحى أو ماكينة طحين يطحنون فيها القمح ويحولوه دقيقا يخبزونه ويصنعون منه الخبز؟ فأين تلك الرحى أو تلك الماكينة؟ ولماذا لم يفكر شيطاننا فى سرقة خبز جاهز ما دام أولاده يتضورون جوعا إلى هذا الحد بدل أن يضيع الوقت فى الطحين والعجن والخبز فيكون أولئك الشياطين الصغار قد ماتوا؟ ولكن هل يكتفى الشياطين بالخبز الحافى؟ فلماذا إذن لم يحاول اللص الشيطان سرقة بعض اللحوم أو حتى اللبن والجبن والتمر لزوم التغميس؟ بل هل كان ذلك الشيطان يحتاج إلى السرقة من مال الصدقة الذى فى المسجد والذى يحرسه أبو هريرة، وعنده جميع الحقول والأهراء التى حول المدينة ويمكنه أن يأخذ منها ما يحتاجه هو وكل الشياطين من القمح وغير القمح دون أن يبصره أبو هريرة أو غير أبى هريرة؟ وإذا قلنا إنه شيطان مبتدئ لم يتشرب صنعة الشيطنة على أصولها، وعوضا عن ذلك أصر على سرقة المال الذى فى المسجد، فلماذا لم ينتظر حتى يذهب أبو هريرة فى سابع نومة فيعمل عملته وقتذاك ويحمل ما يشاء من قمح دون أن يحس به أحد أو يتعرض له أحد؟ بل هل الشياطين تحتاج إلى أن تظهر للناس، وبخاصة حين تريد أن تسرقهم؟ يا له من شيطان غبى! لكن هل هناك شيطان غبى؟ لو كنت أنا رئيسه لرفتُّه من زمرة الشياطين ليبحث له عن صنعة أخرى تناسب غباءه وحمقه ولخمته. 
أما تصرفه هذا فهو مثل تصرف لص يترك سائر الشقق التى خَلَّفَها أصحابها وسافروا بحيث يمكنه أن يسرقها ويجردها من جميع محتوياتها دون أن يتعرض لأى خطر، ويذهب عِوَضَ هذا إلى شقة وزير الداخلية، ثم بدلا من أن ينتظر حتى نوم أصحابها فيتسلق المواسير من خلف المنزل ويدخل إلى المطبخ على "طراطيف" رجليه، ومنه إلى غرف الشقة الأخرى غير تلك التى ينام فيها الوزير وزوجته، نراه يختار عز الظهرية ويصر على دخول الشقة من الباب الأمامى بعد أن يدقه حتى يفتحوا له، فيستأذن الوزير أن يتركه يسرق شقته ويخرج فى سلامة الله دون أن يحاول اعتراضه أو تعويقه لأن أولاده الجائعين ينتظرونه بمصارينهم تتلوى. ترى هل هذا أمر يدخل العقل؟ وإذا كان شيطانا من شياطين الجن، أكان ينصح أبا هريرة تلك النصيحة الخيرة؟ ترى متى كانت الشياطين تفكر فى الخير، فضلا عن أن تنصح به، فضلا عن أن تكون النصيحة ضارة بهم هم أنفسهم بحيث لا يستطيعون بعدها أن يمارسوا صنعة الشيطنة معنا نحن البشر؟ وهكذا يرى أصحاب اعتقاد العفاريت بالمعنى العامى أن الأبواب مسدودة فى وجوههم. ثم ألم يقرأوا قول الله تعالى عن الشيطان: "إنه يراكم هو وقَبِيلُه من حيث لا تَرَوْنَهم"؟ وأنا لا أتهم الصحابى الجليل الذى أحبه ودافعت عنه دفاعا صارما فى دراسة لى طويلة على المشباك، بل الخطأ من غيره. وهذا إذا لم أكن أنا المخطئ فى كل ما قلته. فأنا، فى نهاية المطاف، بشر أصيب وأخطئ، وليس لى من العصمة قليل ولا كثير.
ومن الأحاديث التى تتصل بهذا الموضوع وكنا نعرفها ونحن أطفال صغار، ولكن نفهمها بطريقتنا وبالطريقة التى كان يفهمها الناس من حولنا، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا كانَ رمضانُ فتِّحَتْ أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقتْ أبوابُ جَهنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّياطينُ"، وهو حديث صحيح، ويعنى حسبما أفهمه أن رمضان هو فرصة طيبة للاستكثار من عمل الخيرات، والإقلال ما أمكن من اجتراح الشرور والآثام. وهذا معنى أن أبواب الجة تُفْتَح فيه، وتسلسل الشياطين. فالكلام على المجاز، وإلا أفليس هناك شياطين تتحرك براحتها بين الناس فى رمضان؟ أقصد شياطين الإغراء بالشر والخطيئة؟ إن غرائز الإنسان لا تختفى مع رمضان لأنها جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية لا يمكن أن تفارقها، لكن تخف وطأتها، أو المفروض أن يكون الأمر كذلك بسبب الجو الروحانى والجوع الذى من شأنه إضعاف الجسد وشهواته، فضلا عن تيقظ الحس الإيمانى والأخلاقى فى الشهر الفضيل. ولكن على الناحية المقابلة كثيرا ما يكون رمضان سببا فى ارتكاب الأخطاء والخطايا كما هو الحال مع مدمنى التدخين، إذ تسوء أخلاق كثير منهم وينفعلون لأقل ملامسة ويشتمون ويضربون ويسارعون إلى الاصطدام بالآخرين، بل قد يقتل بعض الناس بعضا بسبب العصبية جراء الحرمان والطعام. كما أن من المسلمين من يتظاهر بالصلاح فيه نفاقا ورياء، وبعضهم يوهم الآخرين أنه صائم، وهو ليس بصائم... وهكذا. ودعونا من "بدعة" هذه الأيام المتمثلة فى بكاء بعض الأئمة أثناء صلاة التهجد. بل إن بعضهم ليبكى أثناء صلاة التراويح نفسها، مع أننا طول عمرنا نصلى التراويح وغير التراويح فى رمضان دون أن نسمع أحدا يبكى أثناءها. فما الذى جد فى الأعوام الأخيرة؟ لقد ذكر الرسول عليه السلام، بين من يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله، رجلا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ولم يقل عليه السلام: "ورجل كان يؤم الناس فى الميكروفون فتصنَّع النهنهة وتشنَّج وأطال البكاء حتى يسمعه القاصى والدانى عَمَّاًلا على بَطَّال".
لكن ما علاقة هذا بما نحن فيه من الكلام عن العفاريت؟ لقد كنا نفهم الحديث الشريف على أن الشياطين المذكورة فيه هى العفاريت، فكنا نطمئن إلى أن العفاريت لن تظهر لنا ليلا فى رمضان. وكان هذا يساعدنا على السهر خارج البيت دون خوف من الظلام. ألم يسلسل الله سبحانه وتعالى العفاريت والأشباح طول ليالى ذلك الشهر؟ بلى. إذن فما المشكلة؟ خذوا راحتكم إذن أيها الأطفال وامرحوا واسهروا كما تحبون، فلن تنغص العفاريت عليكم بهجتكم. وطبعا هناك فارق بين العفاريت بالمعنى الشعبى الذى كنا نفهمه آنذاك وبين الشياطين الوارد ذكرها فى الحديث المشار إليه. بل إن الشياطين، بالمعنى الأخلاقى الذى شرحته فى بداية كلامى هنا، لا تُسَلْسَل حسبما نفهم السَّلْسَلَة فى دنيا البشر، فهى ليست أجساما مادية حتى يسلسلوها بجنازير من الحديد كما نعرف السلاسل والجنازير. كذلك ليس المقصود أنها تُمْنَع من إغراء الناس بالذنوب والآثام، بل المراد استفزاز حاسة المسلمين الإيمانية والأخلاقية كى يهتبلوا فرصة الشهر الكريم فيُقَلِّلوا عمل الشر ويُكَثِّروا عمل الخير ليس إلا، إذ الشياطين للأسف لا تأخذ إجازة، لأنها لو أخذت إجازة ما كانت شياطين، فالشياطين لا تتعب ولا تمرض ولا تملّ ولا تقوم بتظاهرات للحصول على راحة ولا تعرف شيئا اسمه: "حقوق الشيطان" قياسا على ما نعرفه عندنا بـ"حقوق الإنسان" بما تقتضيه تلك الحقوق من تخفيض ساعات العمل والحصول على إجازة مدفوعة الأجر وما إلى ذلك. وكم فى النصوص الدينية من مظاليم! 
ولكن ألم تكن لى تجربة مع العفاريت؟ بلى كانت لى واحدة، إذ كنت قد سهرت على حدود القرية الشرقية ذات ليلة صيفية جالسا مع بعض الزملاء فوق كومة من الرمال بفناء مدرسة كانت تشيد فى ذلك الحين. وكان الجو سجسجا، ونزل الطل كالعادة رطبا منعشا فنسينا أنفسنا، إلى أن حان أوان العودة للإخلاد إلى النوم إل أن يؤذن الفجر فأصليه ثم أعود ثانية إلى الفراش حتى الضحى كالمعتاد. وأغلب الظن أننى كنت معيدا فى تلك الأيام. ولما عدت إلى المنزل صعدت إلى الطابق الثانى وبدأت أخلع جلباب خالى البلدى الواسع المريح الذى كنت أرتديه تلك الليلة كما كان يحدث فى بعض الأحيان. وكنت واقفا فى شبه ظلام على السرير ذى الناموسية والعساكر فى المقعد القبلى الذى ينفتح بابه وشباكه خلف رأسى على الناحية البحرية فيمدنى بهواء لا أبدع ولا أروع. بيد أننى توقفت بغتة وأنا أخلع الجلباب من رأسى، إذ سمعت وشيشا أشلَّنى فى موضعى فتوقفت، وتوقف هو بتوقفى، فلما استأنفت الخلع عاد الوشيش. وتكرر هذا مرات، فوجدتنى أقول فى نفسى: جاءك الموت يا تارك الصلاة! أو بالأحرى: جاءك الشبح يا منكر العفاريت! لقد كنتَ تنكر وجودها، فماذا أنت قائل الآن؟ ثم عدت إلى محاولة تخليص الجلباب من رأسى فعاد الوشيش من جديد. كل هذا وأنا أحاول التركيز فيما أفعله وفيما أسمعه... وفجأة أضاء عقلى دفعة واحدة. إنه الرمل الذى تسلل إلى السَّيّالة ونحن جالسون فوق كوم الرمال فى المدرسة، فكلما حاولت خلع الجلباب سقط الرمل الموجود فى السيالة، وحين أتوقف يتوقف سقوطه. ثم لما تحققت من صحة هذا الفرض شرعت أضحك كالمخبول فى الظلام الذى كنت واقفا فيه فوق السرير.
ورغم أنى كنت أخاف العفاريت وأنا صغير فقد تغلبت مع الأيام واتساع ثقافتى وتحكيم عقلى على هذا الخوف، وإن ظل هناك دائما توجس ما فى أعماقى البعيدة حين أدخل مقابر القرية ليلا لأقرأ الفاتحة أو لأثبت لنفسى أننى لم أعد أومن بهذه الخرافات أو لأى سبب آخر، إذ كنت رغم اقتناعى أنه لا توجد عفاريت بالمعنى العامى الشائع بين جماهير المصريين أظل أشعر أن من الممكن أن يفاجئنى شىء مزعج رغم كل ذلك، وبخاصة أن الجبَّان فى الأعوام الأخيرة قد اكتظت بالمقابر اكتظاظا شديدا، وضاقت طرقاتها، ولم تعد هناك البراحات التى كانت فيها من قبل. ترى هل هو بقية من الاعتقاد القديم لم يَزُلْ بعد؟ ترى هل هو الخوف من أن يكون هناك إنسان مختبئ بين المقابر لسبب أو لآخر يمكن أن يفكر فى التعرض لى وإيذائى كى يقطع الرِّجْل من هناك فلا ينفضح؟ قد يكون هذا، وقد يكون ذاك. كما لا ينبغى أن ننسى المقامات الموجودة فى الجبان، وهى عبارة عن غرفات واسعة مظلمة تحوى بعض المقابر والنعوش وما أشبه، وتعشش فيها الوطاويط والبوم، وقد يأوى إليها ليلا بعض المجانين أو الصبيان الجامدى القلب الذين يهربون من أسرهم خوفا من العقاب وما إلى هذا. ولعلى قرأت للشيخ مصطفى عبد الرازق أنه، رغم تخلصه من الخوف من العفاريت بعدما كبر، كان لا يزال يشعر أن هناك رواسب قديمة من هذا الخوف لم تَزُلْ بعد من أعماقه. 
وقد ظللت أقضى الليل وحدى لمدة أعوام فى بيتنا الأصلى المجاور لمسجد أبو الريش دون الإحساس بأى خوف، وكان بعض الجيران يزعمون أنهم يسمعون أبى ليلا وهو راكب الموتوسيكل. يقصدون أنهم كانوا يسمعون دمدمة الموتوسيكل الذى كان يركبه حين صدمته سيارة فأردته قتيلا. وكثيرا ما كنت أصلى العشاء وحدى فى المسجد المذكور آخر الليل فى الظلام دون أن أخاف شيئا. والقارئ لا يعرف أن أبو الريش كان فيه وطاويط ونعش وأشجار معمرة، دعك من جوف المسجد ومحرابه والتجويف الذى تحت المنبر حيث يسود الظلام وحيث لا يدخل أحد هناك ليلا فى العادة، اللهم إلا شابا من جيراننا ميت القلب كان يلجأ إلى ذلك التجويف لينام داخله حين تطرده أمه من الدار.
وعلى ذكر الخوف من العفاريت من جانب الأطفال كنت أقرأ اليوم، بعد أن كتبت هذا الكلام بأيام، مقالا لأخت زوجة تونى بلير الصحفية والمذيعة والناشطة السياسية المناصرة لحقوق الفلسطينيين لورين بوث، التى أسلمت فى الفترة الأخيرة، تحكى فيه علاقتها السيئة بأمها، وكانت الأم يهودية، والأب ممثلا، فتذكر أن أمها كانت شديدة الخشونة فى تربيتها دون داع حتى إنها لم تكن لتسمح لها بإضاءة المصباح الليلى الصغير التى اشترته لها جدتها كى تشعله فى الظلام وهى نائمة فلا ترى فى منامها الكوابيس. وسبب رفض الوالدة هو توفير الكهربا مع أن الجدة كانت تعطى الحفيدة بعض البنسات كى تضعها فى عداد الكهربا البيتى، وتصر على إطفائه بقسوة غير مفهومة دون أن تلقى بالا إلى استعطافاتها، معيرة إياها بأنها طفلة زنانة مزعجة! بل كانت كثيرا ما تصارحها فى قسوة مفرطة بأنهم لا يريدونها معهم فى البيت، فلم لا تذهب لتعيش مع جدتها، التى تريدها؟ وكان الطفلة الصغيرة ترى فى كوابيسها قواطير (تماسيح أمريكية) وقراصنة يختبئون تحت السرير على عكس العفاريت التى كانت تفزعنا ونحن صغار، إذ لم تكن تختبئ تحت السرير لأننا كنا كثيرا ما ننام على الحصير، ومن ثم لم يكن هناك موضع لاختبائها تحتنا إلا إذا كانت عفاريت فى نحافة الورق، بل كان عليها أن تطل علينا من فوق وهى تكشف عنا الملاءة أو البطانية التى نخفى بها عنها وجوهنا. علاوة على أننا لم نكن نفكر فى قراصنة أو تماسيح. 
إذن هناك فرق حتى بين نوعية الرعب الإنجليزى والرعب المصرى مع أن التماسيح كانت تسبح فى النيل منذ قديم الزمان إلى ما بعد مرور قرن من العصر الحديث، على حين لا تعرف بريطانيا التماسيح، فكان ينبغى أن يحلم أطفالنا بالتماسيح. وقد ذكر العقاد طيب الله ثراه، فى مقال له عن طفولته موجود فى كتابه: "أنا"، أن الآباء والأمهات الأسوانيين، ومنهم أبواه، كانوا يخشون على أولادهم من التماسيح إذا نزلوا يعومون فى النيل. أما القراصنة فهم إنتاج إنجليزى بامتياز! لكن جاء علىَّ وقت، وأنا ولد صغير، كنت أرتعب فيه غاية الارتعاب من الرجل الذى يخطف الأطفال ويذبحهم ليدشّن ماكينة الطحين بدمهم، إذ كانت مكنات الطحين الجديدة لا تدور إلا إذا سَقَوْها دم طفل حسبما كان يقال لنا حتى لا نبتعد عن البيت حين تنتشر فى البلاد أخبار اختفاء بعض الأطفال. 
وأذكر أن ولدا صغيرا قريبا لنا فى القرية اختفى من الدار ذات عصرية بعدما كبرت وصرت معيدا، فأخذ أهله يبحثون عنه "سَلْقَط فى مَلْقَط"، لكنهم لم يعثروا له على أثر، فأرسلوا المنادى فى كل أرجاء القرية يناشد من يجده أن يسلمه لأهله، وله الثواب والأجر من الله، ولكن لا حياة لمن تنادى. وهنا لم يجدوا مفرا من اتهام صاحب مكنة طحين القرية بأنه أخذ الولد وذبحه، مع أن الرجل كان لطيفا، وكانت مكنته تشتغل "صاغ سليم" منذ عدة سنين، ولم يقع ما يجعلها تغير رأيها وتحرن عن العمل طلبا لجَرْع دم طفل. ولما أسلمت الأسرة أمرها لله فى نهاية المطاف، وذهبوا ينامون، حملوا الحصيرة التى تقف مبرومة بجوار الحائط فى غرفة النوم كى يبسطوها ويناموا فوقها، فإذا بالولد الضائع نائم خلفها كالقتيل لا يدرى من أمر الدنيا من حوله شيئا بسبب ما أصابه طوال اليوم من إرهاق جراء اللعب. آه يا ابن الفرطوس!

 
 
 


لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق