تابعنا على الانترنت
استفتاء

من حديث السيرة عبد الرحمن أيوب والأستاذية المُلِهمة

02/12/2017 05:42


د. سعد مصلوح

ربما كان عجبا أن أقول ؛ إن أستاذية الشيخ الجليل عبد الرحمن أيوب رحمه الله كانت بين جملة ما استيقظ نظري للجديلة الجامعة بين النقد والعلم اللساني ، وعندي لذلك قَصَصٌ حَرِيٌّ أن يروى.

في عام١٩٦٨ كان رحمه الله يلقي بعض محاضراته في معهد الدراسات العربية العالية ، وكنت على جاري عادتي معه أحضر جميع محاضراته حتى ما كان منها لطلاب الليسانس ، وفي هذه المحاضرات عرفت نفرا من أجمل الصُّدَقَاء وأكملهم ، ممن تفيأت - ولا أزال - ظلال ودادتهم الوريفة. أذكر منهم يوسف بكار فارس النقد المُجَلّي بارك الله لنا في عمره وعمله. وبعد انتهاء المحاضرة تذكرنا أن ثمة ندوة عامرة معقودة في دار العلوم للقصة القصيرة ، دُعِيَ لها القاص العظيم يوسف إدريس والروائي الدرعمي الشهير محمد عبد الحليم عبد الله ليعلقا على إبداع الشباب. واقترح الشيخ أن نذهب إلى الكلية راجلَيْن لقرب المكان. هنالك جلسنا نستمع ، وكان بعض المشاركين ممن يصطنعون الكتابة في ما يعرف بتيار الوعي ، وهو ضرب من الكتابة يصعب تلقيه مكتوبا بَلْهَ أن بكون التلقي بالسماع.

جاء دور التعليق ، فكانت خلاصة تعليق إدريس أن هذا الشاب قد ضَل الطريق ، وأن عليه أن أن بتمرس بكتابة القصص التقليدي قبل الولوج إلى حقل التجريب في مجالات هي من ضلالات الغرب، وأنه على تجربته العريضة في كتابة القصة لم يفهم شيئا مما قيل وسماه تخاريف ، (وواضح في هذا الرأي أثر المذهب الفني

المهيمن على فن القصة عند إدريس ).

هنا همس الشيخ في أذني معلقا على قصة أحدهم ؛ من قال إن ما كتبه هذا الشاب تخاريف ؟. إنه ولد عبقري ،وسيكون له شأن مع المثابرة ( وقد تحققت فراسة الشيخ في ما بعد ). ثم طلب التعليق ، وقدم تأويلا نقديا آسرا للقصة ، منطلقا من مفاتيح لغوية التقطها بذكاء لافت من السماع المجرد.

وأذكر في سياق معارضة الضد بالضد أن تلميذي وأخي العزيز الدكتور أحمد عزت البيلي قدم في أطروحته للدكتوراه بإشرافي موازنة جديدة بين الطائيين من منظور الأسلوبيات الإحصائية ، وكان له فيها اجتهادات رائعة ( ولم أشهد مناقشتها فقد كنت بدأت رحلة الاغتراب ) وفي جلسة المناقشة - التي تأخرت طويلا - أعلن شيخنا كمال بشر رحمه الله ( وكان قد آل إليه الإشراف ) أنه ليس راضيا عن الموضوع أصلا ، وأن المشرف السابق ( كنتُ المقصود ) زميل نزعه عِرْقُ الأدب ، أما أنا ( يعني نفسه ) فلغوي صِرْف. كذلك قال ؛ ليكرس قطيعة لا مسوغ لها في ملتي واعتقادي بين المجالين.

هنالك استبان لي من الموائز بين النظرتين ما جعلني أستيقن أني كنت في جَدْلِ ما بينهما على طريق مستقيمة. وهكذا يمكن أن تتشكل العقيدة العلمية للتلميذ بالملاحظة والتأمل النافذ لتعليق من أستاذه ربما يبدو عابرا وآنيا ، ولكنه يمتاز بثقوب النظرة ووضاءة اللمح؛

فلله در ذلك الأستاذ العظيم ؛ أيَّ رجلٍ كان !

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق