تابعنا على الانترنت
استفتاء

فقرات "عن أحمد البدوى وأمثاله" من كتابى: "عبد الحليم محمود - صوفى من زماننا"

06/10/2017 06:06


د. إبراهيم عوض

فى كتابه عن أبى الحسن الشاذلى أورد د. عبد الحليم، لمحفِّظ قرآن من شِبْلِنْجَة القريبة من منيا القمح اسمه عبد الفتاح القاضى كان الأستاذ الدكتور يعتز بتقواه وزهده وعلمه كثيرا، كلاما يقول فيه إن "الأقطاب أربعة هم السيد البدوى وسيدى إبراهيم الدسوقى وسيدى الرفاعى وسيدى الجيلانى. أما السيد البدوى فهو حى فى قبره يجلس ويضطجع ويقابل جميع زواره. هذا حاله" . ترى كيف يقول الرجل هذا الكلام الشاذ، والقرآن يقول عن الموتى ؤدا على من يبتهل من الكافرين إلى الله أن يعيدهم إلى الدنيا كى يحسنوا العمل بعدما أضاعوا فرصتهم الأولى فى المعصية والجحود: "ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يُبْعَثون"؟ ثم ما معنى الموت إذن إذا كان الموتى يمكن أن يظلوا بعد موتهم أحياء؟ يقينا إن هذا لهو الخبل بعينه!

وما دام البدوى حيا فى قبره فكيف يتنفس، والقبر مسدود عليه سدا محكما لا يسمح بذرة هواء من الدخول؟ وكيف يعيش دون طعام أو شراب أو دخول حمام؟ وكيف يتسع القبر لكل زواره هؤلاء؟ وماذا عن شعره وأظافره، التى لا بد أن تكون قد بلغت من الطول أمتارا وأمتارا؟ وماذا كذلك عن رائحته وهو لم يستحم منذ مات، أو فلنقل: منذ خُيِّل للناس أنه مات؟ وكيف لا يحس الموجودون فى غرفة الضريح بحركة القبر جراء توافد الزوار عليه؟ ودعنا من أن كل ما قلناه عن السيد البدوى ينطبق على زواره، الذين يزيدون عليه بأنهم يغادرون قبورهم ويتحركون ويسافرون إليه، وإن كنت لا أعرف كيف ينتقلون إلى طنطا من أنحاء الكرة الأرضية!

إن أحدا لم يقل شيئا من ذلك عن النبى عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن أن يقوله، وإلا كان مجنونا جنونا رسميا، ولتطلَّب الأمر أخذه إلى الخانكة، أو لتقريب المسافة: إلى العباسية، فهى قريبة من كليتنا لا تبعد عنها إلا كسر الكيلومتر! وقد توقعت أن يقول د. عبد الحليم شيئا يعقب به على هذا الكلام العجيب، فلم أجده قال شيئا للأسف. فهل كان الشيخ الجليل يؤمن بهذا الكلام؟ وهل يمكننا أن نفسر قوله فى الطبعة الأولى من كتابه عن السيد البدوى إنه، لما عزم على الكتابة عنه، ذهب إلى ضريحه يستأذنه، ولما أذن له شرع يؤلف الكتاب؟

ومن هذا الوادى أيضا رواية أوردها د. عبد الحليم محمود عن أبى العباس المرسى تتعلق بأبى الحسن الشاذلى. قال أبو العباس: "كنت مع الشيخ أبى الحسن بالقيروان، وكان شهر رمضان، وكانت ليلة جمعة، وكانت ليلة سبع وعشرين، فذهب الشيخ إلى الجامع، وذهبت معه. فلما دخل الجامع وأحرم رأيت الأولياء يتساقطون عليه كما يتساقط الذباب على العسل" . ففى كلام الشيخ عبد الفتاح القاضى نجد السيد البدوى حيا فى قبره، وفى رواية أبى العباس المرسى نجد الأولياء يعودون من الموت إلى الحياة ويترامَوْن على الشاذلى ترامى الذباب على العسل. ولا أدرى كيف فاتت أبا العباس الحصافة فشبَّه ترامىَ الأولياء، الذى لم يحدث إلا فى خياله بل فى وهمه الخصب النشيط، بترامى الذباب بدلا من النحل. أليس غريبا أن يقول القرآن إن رسول الله سيموت كما يموت سائر البشر، وأن يشتد أبو بكر الصديق فى تنبيه عمر ليفيق من الغاشية التى ألمت به حين توفى رسول الله فظن أنه عليه السلام لم يمت بل مضى للقاء ربه ولسوف يرجع مرة أخرى، وهدد بقطع يد ورجل كل من يردد أنه عليه الصلاة والسلام قد مات، ثم يأتى القاضى والمرسى فيقولا إن هذا الصوفى أو ذاك قد عاد إلى الحياة بعد أن مات وشبع موتا؟ ترى ماذا بالله نقول فى ذلك؟

كذلك استشهد د. عبد الحليم بما كتبه ابن الصَّبّاغ صاحب كتاب "درة الأسرار" عن أبى الحسن الشاذلى من أنه كان يعيش فوق جبلٍ بشاذلة من بلاد المغرب للخلوة والعبادة ويقتات بأعشاب الأرض ونباتاتها إلى أن تتقرح أشداق رفيقه، فينزل به أبو الحسن إلى شاذلة يبحث له عن طعام لا يضر به . ترى لماذا هذا التشدد الذى لا معنى له ولا يدل إلا على تنطع يأباه الله ورسوله، لو كان قد وقع فعلا ولم يكن تزيدا من حواريى الشاذلى؟ فلمن خلق الله طيبات الدنيا يا ترى؟ ولم امتن بها علينا إذا كان المطلوب منا أن نتقرب إليه بنبذها؟ ألسنا نقرأ فى القرآن الكريم قوله تعالى: "ما يفعلُ الله بعذابكم إنْ شكرتم وآمنتم؟"؟ أم نزلت هذه الآية لقوم آخرين غيرنا نحن المسلمين؟ أليس من سوء الأدب أن تكون النعم الإلهية موفورة بهذه الكثرة فيدير الإنسان ظهره لها زاعما أنه بهذا الانصراف عنها إنما يريد إرضاء المنعم بها؟ ترى لمن سنوفِّرها؟ هل عقمت الأرض فلن تثمر خيرا بعد ذلك فنخاف على من يخلفوننا أن يأتوا فلا يجدوا شيئا؟ أليس ذلك اتهاما لقدرة الله وكرمه ورحمته؟ ثم هل سمع أحد أن الرسول أو الصحابة كانوا يفعلون ذلك؟ وهكذا يرى القارئ أننا، مهما اتجهنا يمينا أو يسارا أو أمامًا أو وراءً أو فوقا أو تحتا، وجدنا الأبواب مسدودة فى وجه هذا التنطع، إن كان قد وقع ما تقوله الرواية فعلا!

ومع هذا كله فإن د. عبد الحليم محمود يعود غير بعيد فينقل رواية تقول إن الشاذلى كان يلبس ملابس ناعمة رقيقة، فجاءه صوفى يرتدى ثيابا خشنة غليظة وعاتبه على ما هو فيه من ترف لا يصلح للعبادة، فبادله الشاذلى انتقادا بانتقاد قائلا ما معناه: بل ملابسك الخشنة الغليظة هى التى لا تصلح للعبادة. كما يورد رواية أخرى مُفَادُها أن أبا العباس المرسى فكر أن يتخاشن فى مطمعه وملبسه، فنصحه الشاذلى بأن يجعل همه معرفة الله، وليلبس بعد ذلك كيف شاء، فإن من عرف الله فلا عليه إن أكل هنيئا وشرب مريئا. ثم يضيف قائلا: يا بنىَّ، بَرِّد الماء، فإنك إن شربت الماء السخن فقلت: "الحمد لله" قلتها بكزازة، وإذا شربت الماء البارد فقلت: "الحمد لله" استجاب كل عضو منك بالحمد لله . ألا يرى القارئ أن هذا الموقف الطبيعى المستقيم يناقض تصرفه السابق تمام المناقضة؟ فأَيًّا من الروايتين نصدّق؟

وتعالوا الآن إلى ما كتبه عن صوفية عصره واحد من أكابر الصوفية إن لم يكن أكبرهم بإطلاق، ألا وهو أبو حامد الغزالى. يقول فى كتابه: "إحياء علوم الدين" إن "أكثر متصوفة هذه الأعصار لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ولم يحصل لهم أنس باللّه تعالى وبذكره في الخلوة وكانوا باطلين غير محترفين ولا مشغولين، قد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل، واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية، واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد، واستسخروا الخدم المنتصبين لللقيام بخدمة القوم واستخفوا عقولهم وأديانهم

من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعلُّلاً بكثرة الأتباع، فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم نافذ، ولا تأديب للمريدين نافع، ولا حجر عليهم قاهر، فلبسوا المرقَّعات واتخذوا من الخانقاهات متنزهات، وربما تلقفوا ألفاظا مزخرفة من أهل الطامّات، فينظرون الى أنفسهم وقد تشبهوا بالقوم في خِرْقتهم وفي سياحتهم وفي لفظهم وعبارتهم وفي آداب ظاهرة من سيرتهم، فيظنون بأنفسهم خيرا ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، ويعتقدون أن كل سوداء تمرة، ويتوهمون أن المشاركة في الظاهر توجب المساهمة في الحقائق، وهيهات!

فما أغزر حماقة من لا يميز بين الشحم والورم! فهؤلاء بُغَضَاء اللّه، فإن اللّه تعالى يبغض الشاب الفارغ. ولم يحملهم على السياحة إلا الشباب والفراغ إلا من سافر لحج أو عمرة في غير رياء ولا سمعة، أو سافر لمشاهدة شيخ يقتدي به في علمه وسيرته، وقد خلت البلاد عنه الآن. والأمور الدينية كلها قد فسدت وضعفت إلا التصوف، فإنه قد امَّحَقَ بالكلية وبطل، لأن العلوم لم تندرس بعد. والعالم إن كان عالم سوء فإنما فساده في سيرته لا في علمه، فيبقى عالما غير عامل بعلمه، والعمل غير العلم. وأما التصوف فهو عبارة عن تجرد القلب للّه تعالى واستحقار ما سوى اللّه، وحاصله يرجع الى عمل القلب والجوارح. ومهما فسد العمل فات الأصل. وفي أسفار هؤلاء نظر للفقهاء من حيث إنه إتعاب للنفس بلا فائدة. وقد يقال إن ذلك ممنوع، ولكن الصواب عندنا أن نحكم بالإباحة، فإن حظوظهم التفريج عن كرب البطالة بمشاهدة البلاد المختلفة. وهذه الحظوظ، وإن كانت خسيسة، فنفوس المتحركين لهذه الحظوظ أيضا خسيسة. ولا بأس بإتعاب حيوان خسيس لحظٍّ خسيس يليق به ويعود إليه، فهو المتأذي والمتلذذ.

والفتوى تقتضي تشتيت العوام في المباحات التي لا نفع فيها ولا ضرر. فالسائحون في غير مهم في الدين والدنيا، بل لمحض التفرج في البلاد كالبهائم المترددة في الصحارى، فلا بأس بسياحتهم ما كَفُّوا عن الناس شَرَّهم، ولم يُلَبِّسوا على الخلق حالهم. وإنما عصيانهم في التلبيس والسؤال على اسم التصوف والأكل من الأوقاف التي وُقِفَتْ على الصوفية لأن الصوفي عبارة عن رجل صالح عَدْل في دينه مع صفاتٍ أُخَر وراء الصلاح. ومن أقل صفات أحوال هؤلاء أكلهم أموال السلاطين، وأكل الحرام من الكبائر فلا تبقى معه العدالة والصلاح. ولو تُصُوِّر صوفي فاسق لتُصُوِّر صوفي كافر وفقيه يهودي...". -----------------------------------------------------------------

د. عبد الحليم محمود/ قضية التصوف- المدرسة الشاذلية/ ط3/ دار المعارف/ 1999م/ 409.

فى منتديات "ستار تايمز"، وتحت عنوان "واجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أن نعبد الأصنام"، قرأت الكلمة التالية لمحمود عامر: "أستغرب من كتاب تحت يدي الآن، وقد طبعته مؤسسة دار الشعب لأحد شيوخ الأزهر الراحلين، وهو د. عبد الحليم محمود، حينما ألف كتابًا عن السيد البدوي فكتب في ص 36 قائلا: "ولم أبتدئ في كتابة شئ من الكتاب حتى ذهبت متعمدًا إلى طنطا أستأذن السيد في الكتابة عنه. وفي المقصورة المباركة بدأت الكتابة، وخططت الأسطر الأولي من الكتاب هناك". إذن صدق الله وصدق إبراهيم عليه السلام حينما قال فيما ذكره الله عنه في كتابه العزيز: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (إبراهيم/ 35- 36). وأنا هنا لا أنزل حكم الآيتين السابقتين على عين شيخ الأزهر السابق، فالله أعلم بسرائره ومقصده، وإن كان تصرفه تصرفًا شائنًا شرعًا، وهذا الذي يعنيني، ولا يعنيني الحكم على عين الناس. فمن أي دليل استقي شيخ الأزهر السابق الدليل الشرعي على استئذان جيفة عظام رميم؟ وكيف يتم الاستئذان؟ وكيف سيكون الإذن؟ وهل سبق شيخَ الأزهر أحدٌ من الأئمة الأعلام ففعل فعلته؟ لقد جمع البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه وأبو داوود والإمام أحمد والإمام مالك وغيرهم من أئمة الهدى أحاديث سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعنا أن أحدًا ذهب ليستأذن رسول الله في كتابة حديثه أو في كتابة شمائله. وإذا كانت هذه عقلية بعض شيوخ الأزهر الكبار: واحد يزعم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظةً، وآخر ذهب ليستأذن من السيد البدوي في قبره، فكيف ستكون عقول الطلاب؟ اللهم رحمةً بنا وصبرًا لا ينفد. وصدق الله إذ يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ" (الحج/ 73). فالبدوي لا يسمع، ولو سمع لا يستجيب ولا يأذن، ولا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا. ولو اجتمع كل أصحاب أضرحة مصر "المنكوبة ببعض أهلها" ليخلقوا ذبابًا ما استطاعوا. وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يقدرون على استرداده. ضَعُفَ البدوي والدسوقي والحسين والسيدة والمرسي... وضَعُفَ الذباب، وكذلك ضَعُفَ من دعاهم من دون الله". وهذا رابط المقال: http://www.startimes.com/f.aspx?t=11698053. أما أنا فإنى، وإن أنكرت من الشيخ هذا التصرف، لا أراه فى حد ذاته ماسًّا بالعقيدة، بل أَقْصِر إنكارى له على لامنطقيته ومعارضته لما يقضى به العقل. أما الشيخ فلا أظنه كان يتخذ من السيد البدوى واسطة بينه وبين ربه. إنما كان يراه قطبا من أقطاب الولاية والإصلاح، وهو ما يمكن أن يكون محل خلاف آخر بيننا وبينه. أقول: "يمكن أن يكون"، ولم أقل: "هناك فعلا هذا الخلاف". ذلك أننى لم أضع فى ذهنى أن أحقق قضية ولاية السيد البدوى رغم أنه قد سبق أن قرأتُ لمن ينكرون عليه الولاية ولمن يثبتونها له. وهو أمر غير ذى قيمة فى رأيى، إذ لا أجد للسيد البدوى فى قلبى أو عقلى أى موضع أصلا رغم أننى كثيرا ما استذكرت دروسى، وأنا طالب صغير، فى مسجده، وضاع حذائى مرة هناك بين المغرب والعشاء عام 1961م. وبطبيعة الحال لم أتوقع أن يحفظ السيد البدوى حذاء الولد الصغير المسكين الذى كنتُه آنذاك، ولا فكر هو أن يفعل هذا من تلقاء نفسه ولا أن يرده علىَّ بعد أن ضاع أو يعوضنى عنه. وقد اضطرنى هذا إلى قطع المسافة بين المسجد وبين الغرفة التى كنت أسكنها مع بعض الطلبة من أهل قريتى حافيا إلى أن دبرت حذاء آخر أذهب به إلى المعهد الدينى صباحا.

د.عبد الحليم محمود/ قضية التصوف- المدرسة الشاذلية/ 15.

المرجع السابق/ 28. وانظر "درة الأسرار" لابن الصباغ/ المطبعة التونسية الرسمية/ 1304هـ/ 8- 9.

انظر المرجع السابق/ 44. واقرأ فى الصفحة التالية كيف يلح د.عبد الحليم محمود على أن الشاذلى كان يعيش عيشة مترفة، ويحذر من التشدد وتَرْك طيبات الدنيا.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق