تابعنا على الانترنت
استفتاء

أزمة الروهينجا .. الدلالات والمآلات

01/10/2017 10:31


د. عطية عدلان

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

ليس الغرب وحده الذي يحارب الإسلام، وعلى مدى التاريخ كله لم ينفرد الغرب بحملاته على ديار الإسلام وغاراته على المسلمين، فلقد كان الشرق دائماً ولا يزال مشاركاً للغرب في هذه الحرب المسعورة؛ ذلك لأنَّ دوافع الأمم المكذبة واحدة، ومواقفها من الحقِّ وأهله لا تتغير بتغير الأعراق أو القوميات أو النظم الحاكمة؛ لذلك لم تكن الفرس أقل كفرا وجحوداً من الروم، ثم لم تكن المغول أخف وطأة في حملتها من الصليبية، وإبان الحرب الباردة لم  نجد روسيا أقل رغبة في الاستحواذ من  أمريكا.

   وإذا كانت دول الشرق كالصين والهند وكوريا، وغيرها من الدول التي تدين بالبوذية أو الهندوسية أو الشيوعية أو غيرها من ملل الكفر؛ قد آثرت في الآونة الأخيرة أن تنتهج سياسة معينة تجعلها في موقف المتفرج من الصراع الدائر بين الأمة الإسلامية والغرب؛ بغرض الاحتفاظ برصيد القوة؛ فإنَّ هذا لا يعني تخليها عن همجيتها، وطلاقها البات للعقائد العدوانية والأفكار السادية التي تحرك شبقها لسفك الدماء.

   إنَّ ما تقوم به حكومة بورما تجاه مسلمي الروهينجا يقع برعاية أكبر دولتين في تلك المنطقة: الصين والهند، فكلتا الدولتين تدعم نظام ميانمار بكل ألوان الدعم، ومن المتوقع أن تقوم الصين بمنع أيّ قرار يتخذ من مجلس الأمن ضد بورما، وتصريحات الدولتين ومواقفهما صريحة وقبيحة وفجَّة، وهو ذات الموقف الذي وقفته أمريكا تجاه إسرائيل، وذات الموقف الذي وقفته روسيا تجاه الصرب؛ فالكفر ملّة واحدة، ودول الكفر لا تقلع عن حرب الإسلام حتى يقلع الليل عن ملاحقة النهار.

   ذلك لئلا ننخدع؛ فإنّ كثيراً من المسلمين - لشدة كرههم لأمريكا وحنقهم على الغرب بسبب ما  ارتكبوه في حق المسلمين من جرائم - ينتظرون انطلاقة المارد الصينيّ ليوقف أمريكا عند حدِّها، والواقع أنَّه لا المارد الصينيّ ولا الغول الهنديّ سيوقف عدوان أمريكا وحلفائها على المسلمين، وأنَّ هذه الكيانات لم ولن تخلق لها أظافر وأنياب إلا لتنشب في أجساد المسلمين، فلنتدبر أمرنا بما يليق بنا ويتفق مع عقيدتنا.

   صحيح أنَّه يتوجب علينا الاستفادة من التدافعات التي تقع بين القوى، لكن الاستفادة شيء والتعويل شيء آخر مختلف أشد الاختلاف، الاستفادة توضع ضمن خطة تحرك تحظى بقدر كبير من الاستقلالية، أمَّا التعويل فليس سوى الارتماء في أحضان الغير والاحتماء بالآخرين، وهذا لا يقيم أمة ولا يرسم طريقا لتحقيق الأمن.

   وإذا كان الغرب يعادينا فلا يعني هذا أنَّ

الشرق يوالينا، وإذا كانت الدول الصليبية تقتلنا وتشردنا من بلادنا فإنَّ الدول المغولية سوف تقطعنا وتطعمنا للكلاب، ولا ملجأ لنا بعد الله إلا ما نبنيه من قوة وما نرسيه من مكنة ومانقوم به من مدافعة (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) هذا هو اول درس نتعلمه من ممحنة الروهينجا، وهو درس له أهمية كبرى في حاضر أيامنا ومستقبلها.

   أمَّا سبيل الحل الذي تنقاد له سائر السبل فهو ما تنطق به الفطرة وتؤيده قوانين الحياة وتدعمه وقائع التاريخ المتتالية المتعاضدة؛ فإنَّ تاريخ البشرية شاهد على أنَّ التدافع سنة الحياة، وعلى أنَّ القوة لا تواجه إلا بالقوة، وأنَّ الحلول السياسية والدبلوماسية تابعة لما تمليه القوة وما تفرضه المواجهة، وللضعيف المظلوم المفترى عليه قوة ذاتية تعوض نقص عتاده وضعف وقلة أفراده، وصاحب الحق قويّ بما معه من الحق، وقبل ذلك قوي بالله الذي يدافع عن المؤمنين وعن المظلومين إذا هم قاموا لأخذ حقهم: (اإِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ، أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) فسبيل المقاومة والجهاد هو سبيلهم الأول الذي تتبعه كل السبل.

   فإذا قاموا هم بواجبهم في المقاومة والجهاد امتهد السبيل للتفاوض والعمل الدبلوماسي، وصار لمن يريد أن يقوم بالوساطة مدخل واسع ومقعد على طاولة الحوار راسخ متين، أمّا لغة الاستجداء وحدها فلا تجدي شيئاً في عالم لا يعرف الرحمة، ولاسيما مع حركات التطهير العرقيّ في أزمان التحولات الكبرى.

   إلى جانب هذا المسار هناك مسارات الضغط المختلفة، والتي تتنوع ما بين سياسية وحقوقية وشعبية، ولا ريب أنَّ تتابع الأزمات يجب ان يوقظ فينا الحسّ والاستعداد للتحرك الجماعيّ، والمسلمون في شتى أنحاء العالم منتشرون، فإذا ما قاموا بفعاليات مشتركة ومزامنة فإنَّها يمكن أن تمثل ضغطاً على متخذي القرار على المستوى الدولي.

   إننا بحاجة إلى إحياء روح الأخوة الإسلامية، وإلى تفعيل كل آليات التواصل مع الشعوب والأقليات الإسلامية، وهذا أحد أهم الواجبات الإسلامية الكبرى، فإذا لم نقم بما علينا من واجبات لنصرة المستضعفين من المسلمين فسنكون مقصرين في واجب لا يقل اهمية عن واجبات الدين وفرائضه الكبرى.

  

 

   

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق