ما هى حقيقة العلاقة الغامضة بين مصر وكوريا الشمالية وعقاب ترامب للسيسي ؟

24/08/2017 07:22

"صواريخ كوريا الشمالية" التي ترعب العالم أصلها عربي، فحقوق الإنسان لم تكن هي السبب الأقوى لحجب الولايات المتحدة 290 مليون دولار من المساعدات إلى مصر؛ بل هناك سبب آخر يبدو أنه عكَّر العلاقة القوية والكيمياء الشخصية بين الرئيسين ترامب والسيسي.

وبينما أثارت الخطوة الأميركية ارتياح الكثيرين من مُنتقدي سياسة ترامب الخارجية، الذين هلَّلوا لحقيقة أنَّ الإدارة استندت في قرارها إلى سجل مصر السيئ في حقوق الإنسان، إلا أن تقريراً لصحيفة واشنطن بوست الأميركية ذكر أن هناك سبباً آخر.

فقد قال مارتن إنديك، نائب الرئيس التنفيذي لمركز أبحاث بروكينغز بواشنطن، إنَّ اتخاذ ترامب موقفاً بشأن حقوق الإنسان أمرٌ "مُحيِّر"؛ بل و"ذو صبغةٍ أوبامية" حتى، نسبةً إلى رئيس أميركا السابق باراك أوباما.

لكن تحت السطح، قد لا يكون التركيز في هذه الخطوة مُنصباً على مصر؛ بل كوريا الشمالية.

فقد أشار الصحفيان غاردينر هاريس وديكلان والش، بصحيفة نيويورك تايمز، إلى أنَّ العامل الرئيس في قرار تخفيض المساعدات المُقدَّمة إلى القاهرة هو علاقتها المستمرة مع بيونغ يانغ.

وأوضح الصحفيان أنَّ "الأولوية القصوى لوزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، هي زيادة عزلة كوريا الشمالية الاقتصادية والدبلوماسية؛ إذ يطلب من القادة الأجانب في كل لقاء تقريباً أن يقطعوا علاقاتهم مع بيونغ يانغ".

ويبدو أنَّ الضغط على مصر جزءٌ من حملةٍ أميركية أوسع لتوضيح أنَّ كوريا الشمالية تُمثِّل مشكلةً بالنسبة للعالم، وليس فقط لواشنطن، وسيول، وطوكيو.

وتُعد كوريا الشمالية واحدةً من أكثر دول العالم عزلةً، وتخضع لعقوبات الأمم المتحدة منذ عام 2006. لكنَّها مع ذلك ما زالت تمتلك تاريخاً طويلاً من العلاقات الاقتصادية مع البلدان الأخرى، ولا تزال بعض تلك العلاقات مستمرة.

وبعض تلك العلاقات معروف، فتجارة كوريا الشمالية مع الصين أو شحن العمال المهاجرين إلى روسيا، بالكاد ما زالا من الأسرار.

لكن ثمة روابط اقتصادية أكثر إثارةً للدهشة هناك أيضاً. فعلى سبيل المثال، ألقى الصحفي بـ"واشنطن بوست" كيفن سيف نظرةً على الروابط التجارية بين كوريا الشمالية وعددٍ من البلدان الإفريقية، بينما أعدَّ الصحفي جون غامبريل، بوكالة أسوشييتد برس، مؤخراً، تقريراً عن دور العمالة الكورية الشمالية في دول الخليج الحليفة للولايات المتحدة.

وقد تبدو بعض تلك التجارة غير خطيرةٍ نسبياً، فقد أشار سيف إلى أنَّ الطلب على التماثيل المُصنَّعة في كوريا الشمالية مرتفع ببعض الدول الإفريقية، لكن هناك في كثيرٍ من الأحيان عنصر عسكري أيضاً بتلك التجارة.

فقد أفادت وكالة رويترز هذا الأسبوع، بأنَّ شحنتين كوريتين شماليتين -كانتا في طريقهما إلى وكالةٍ حكومية سورية مسؤولة عن برنامج الأسلحة الكيماوية السورية- قد اعتُرِضتا الشهر الماضي (يوليو/تموز). وفي كلتا الحالتين، تُوفِّر الصفقات لبيونغ يانغ العملة الصعبة التي يمكن أن تساعد برنامجها للأسلحة النووية.

ومثل العديد من شركاء كوريا الشمالية الأجانب، تعود علاقة مصر مع بيونغ يانغ إلى الحرب الباردة، حين ساعد طيَّارون كوريون شماليون في تدريب نظرائهم المصريين قبل حرب 1973 مع إسرائيل.

واستمرت العلاقات حتى العصر الحديث، وذلك مع مساعدة شركة أوراسكوم المصرية العملاقة في مجال الاتصالات على إنشاء شركة الهاتف الجوال الكورية الشمالية (رغم أنَّ الصفقة لم تجرِ على ما يرام في النهاية).

وفي عام 2015، قالت لجنة تابعة للأمم المتحدة إنَّ ميناء بورسعيد بمصر يُستخدم من قِبل شركات تابعة لكوريا الشمالية ووكلاء الشحن العاملين في تهريب الأسلحة.

وكان لافتاً كذلك، أن الرئيس عبدالفتاح السيسي وجّه دعوة

إلى الزعيم الكوري كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، لحضور حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، أغسطس/آب عام 2015.

وكان دانيال بنيامين، الزميل البارز في مركز التقدُّم الأميركي، قد غرَّد في يوليو/تموز 2017، قائلاً: "حقيقةٌ طريفة: ساعدت كوريا الشمالية مصر على تصميم وبناء نصب (النصر) التذكاري لحرب 1973 في القاهرة كجزءٍ من العلاقات الثنائية طويلة الأمد".

ولا يبدو أنَّ عقوبات الأمم المتحدة أو المساعدات العسكرية الأميركية قد أضرَّت بتلك العلاقة؛ إذ قال محمد المنشاوي، الكاتب في صحيفة "الشروق" المصرية، الذي كان ضمن أوائل من رأوا أنَّ العلاقة بين مصر وكوريا الشمالية قد تُمثِّل مشكلة: "أعتقد أنَّ مصر ترغب في الجمع بين الأمرين".

وأظهر تقريرٌ حديث للأمم المتحدة كيف أن مصر تلعب على الحبلين: فقد ساعدت على اعتراض شحنةٍ كورية شمالية تحمل أسلحة عبر قناة السويس العام الماضي، لكنَّها اتُّهِمت أيضاً بالحصول على مكونات صواريخ سكود بطريقةٍ غير شرعية من بيونغ يانغ.

وكانت الإدارات الأميركية السابقة قد حاولت دفع بلدانٍ، كمصر، لإنهاء علاقاتها مع كوريا الشمالية. ولم تنجح تلك الخطوات بالضرورة، وبعض الخبراء يُشكِّكون حتى في الإصرار الأميركي على فرضها.

وفي الآونة الأخيرة قامت إدارة ترامب بحملةٍ كبيرة لفرض عقوباتٍ على الشركات والأفراد الصينيين والروس الذين يقومون بأعمالٍ تجارية مع كوريا الشمالية.

وسعت أيضاً إلى طرقٍ مبتكرة للتأكُّد من امتثال البلدان الأخرى لعقوبات الأمم المتحدة. فقد أشارت أندريا بيرغر، الزميلة البارزة بمعهد ميدلبري للدراسات الدولية، هذا العام، إلى أنَّ كوريا الشمالية قد لعبت على ما يبدو دوراً في قرار إبقاء العقوبات المفروضة على السودان.

ويبدو أنَّ ترامب قد حذَّر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، من ردٍ مشابهٍ أثناء اتصالٍ هاتفي جرى في يوليو/تموز 2017، حينما دعا ترامب الدول إلى "تطبيق قرارات مجلس الأمن بشأن كوريا الشمالية بصورةٍ كاملة، والتوقُّف عن استقبال العمال الكوريين الشماليين، والتوقُّف عن تقديم المنافع الاقتصادية أو العسكرية لكوريا الشمالية"، وذلك بحسب بيانٍ للبيت الأبيض.

وقد يكون العقاب الحازِم لمصر برهاناً على مدى الجدية التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى التهديد الكوري الشمالي.

فقد ذكرت الزميلة بمعهد ميدلبري للدراسات الدولية أندريا بيرغر، لصحيفة واشنطن بوست، أنَّ حصول مصر المزعوم على مكونات صواريخ من كوريا الشمالية كان "تقريباً فعلاً من أسوأ ما يكون" من ناحية انتهاك العقوبات.

ومن دون مصر، ربما لا يكون هناك برنامجٌ نووي كوري شمالي على الإطلاق: فقد أشارت أندريا إلى أنَّ مصر ساعدت على بدء برنامج التطوير النووي لبيونغ يانغ قبل 40 عاماً، حينما منحت كوريا الشمالية صاروخين من نوع سكود سوفييتيَّي الصنع، وتمكَّن علماء كوريون شماليون من اكتشاف المبادئ التقنية لهما وتحليل بِنْيتهما وطريقة عملهما.

وقالت أندريا: "لقد أصبح تصميم صاروخ سكود هو العمود الفقري لترسانة الصواريخ الباليستية في البلاد".

لكن هل سيجبر إجراءُ ترامب مصرَ، أخيراً، على قطع علاقتها مع كوريا الشمالية؟ يعتقد المنشاوي أنَّ الأمر سينجح. فقال: "ما تحصل عليه مصر من علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن لا يمكن تعويضه من أي بلدٍ آخر".

وبالتأكيد، تُعَد علاقة مصر مع كوريا الشمالية ضئيلة الأهمية نسبياً مقارنةً بعلاقة بيونغ يانغ مع الصين وروسيا، لكنَّ سحب المساعدات طريقةٌ أخرى إضافية لتصعيد الضغط على بيونغ يانغ.

وبالنظر إلى أنَّ البدائل الأخرى المطروحة للنقاش (مثل حربٍ نووية على سبيل المثال)، فإنَّ ذلك قد يكون أحد الخيارات الأفضل المطروحة على الطاولة.

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق