المفكر المصرى حازم حسنى..يكتب: النقيب يعظ

18/06/2017 10:34


د. حازم حسني

فى مكان لا يحظى به عادة إلا رؤساء التحرير، نشرت صحيفة "الأهرام" الصادرة اليوم مقالاً لنقيب الصحفيين، السيد/ عبد المحسن سلامة، مقالاً عن "حرب الاتهامات فى تيران وصنافير، يعظنا فيها بقوله إنه "فى قضايا الأرض لابد أن يكون الحديث حديث الوثائق [...] ولابد من الإنصات إلى العلماء والمتخصصين وتفنيد الأدلة والوثائق" ... وكأن من عارضوا اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والملكة العربية السعودية تعوزهم الوثائق، أو كأن من أيدوها قدموا للمحكمة وثيقة واحدة لها قيمتها تثبت سعودية الجزيرتين ! ... الشئ الطريف فى أمر الموعظة، التى نهانا فيها سيادته عن التعامل مع الاتفاقية إلا بلغة الوثائق والحقائق التاريخية، أنه لم يقل لنا رأيه فيما إذا كانت نصائح والدة الرئيس له فى صبته (رحمها الله) يمكن اعتبارها من بين الوثائق والمرجعيات عند التعامل مع موضوع بهذه الخطورة، كما استلهمها رئيس إحدى الهيئات البرلمانية بمجلس النواب عن إجراء المناقشات الهزلية للاتفاقية قبيل إقرارها !!

ساق لنا النقيب فى مقاله فقرة وقعت تحت بصره بالصدفة فى كتاب محفوظ بمكتبة "الأهرام" عنوانه "دراسات حول قضية خليج العقبة ومضيق تيران" من إعداد الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع، وهو يضم وثقائع ندوة أقيمت بالجمعية يوم 29 مايو 1967، أى قبل حرب يونيو بأسبوع كامل، وقت احتدام أزمة إغلاق مضيق تيران أمام السفن الإسرائيلية ... انتقى لنا النقيب فقرة معادة ومكررة ولا يمل النظام ومشايعوه يسوقونها باعتبارها ورقة توت يظنونها تستر عورة تفريطهم فى السيادة المصرية على الجزيرتين، إذ تقول هذه الفقرة - نقلاً عن موعظة النقيب - نصاً: "ولقد كانت الحكومة المصرية تفرض دائماً إشرافها ورقابتها على الملاحة فى مضيق تيران، حيث إن هذا الأمر يدخل فى سلطتها وفقاً للقانون الدولى؛ وكانت الحكومة المصرية - بالتفاهم مع السعودية - تحتل جزيرتى تيران وصنافير لإحكام الرقابة على مدخل خليج العقبة بواسطة المدفعية الساحلية" !

لم يكلف السيد نقيب الصحفيين نفسه النظر فى أحد قواميس اللغة ليتعرف على ما تعنيه كلمة "تحتل" حسب سياقات توظيفها، فاحتلال مصر للركن الشمالى الشرقى لقارة أفريقيا - كما تقول كل كتب الجغرافيا - لا يجعل من مصر قوة احتلال لا شرعية لها، واحتلال أى جيش لمواقعه الدفاعية لا يعنى أنه قد صار جيش احتلال كما كانت حالة الجيش الإنجليزى فى مصر أو الجيش الإسرائيلى فى الأراضى العربية المحتلة !

الطريف أيضاً أنه لم يكلف نفسه بالتعرف على الظرف التاريخى الذى

صاحب هذا "الاحتلال" عله يساعده فى تمييز المعنى المعجمى للكلمة ... ففى أثناء حرب فلسطين، وتحديداً أثناء فترة الهدنة، تقدمت القوات الإسرائيلية واحتلت قرية "أم الرشراش" المصرية - إيلات الحالية - فتقدمت الحكومة المصرية وقتها بشكوى للجنة الهدنة التى ردت على الشكوى المصرية بأنه لم تكن هناك قوة عسكرية مصرية "تحتل مواقعها" فى قرية أم الرشراش، ومن ثم اعتبرت اللجنة أن إسرائيل باحتلالها هذه القرية لم تخرق قرار الهدنة ! ... نرجو ملاحظة أن احتلال إسرائيل لقرية أم الرشراش "المصرية" هى التى دفعت الحكومة المصرية لتأمين جميع المواقع الاستراتيجية الأخرى التى لا توجد بها قوات مصرية، ومن ثم قام الجيش المصرى باحتلال مواقعه على الجزيرتين بالاتفاق مع المملكة العربية السعودية، وهو تعبير لا يشير بأى حال من الأحوال لتبعية الجزيرتين لمملكة آل سعود !

الأكثر طرفة فى أمر موعظة رئيس التحرير هو أنه نفسه، وفى نهاية نفس المقال، يقدم لنا تفسيراً لماذا احتل الجيش المصرى مواقعه على الجزيرتين بالاتفاق مع المملكة، إذ يحدثنا فى نهاية المقال عن ضرورات يجب أن تصاحب نقل السيادة على الجزيرتين للمملكة العربية السعودية، أهمها - حسب تعبيره - "أن يكون هناك نص على ضرورة الموافقة المصرية المسبقة على كل التحركات والأنشطة العسكرية على الجزيرتين ضماناً للأمن القومى المصرى" ... هذا هو تحديداً ما حدث وقت احتلال الجيش المصرى لمواقعه على الجزيرتين، إذ اقتضى الأمر تحركات عسكرية قريبة جداً من الأراضى السعودية، الأمر الذى كان يقتضى - وفق كل الأعراف المعمول بها دولياً - طمأنة الجانب السعودى على أن هذه التحركات لا تشكل تهديداً للأمن القومى للمملكة الوليدة !

بعيداً عن اهتراء عناصر الموعظة التى أتحفنا بها السيد نقيب الصحفيين هذا الصباح، فقد لفت نظرى فى مقاله قوله إن "الجزيرتين عزيزتان علينا لأنهما تحت (السيادة) المصرية منذ أكثر من 67 عاماً [...] لكن الواقع والوثلئق شئ مختلف" :-)

لا أعرف كيف تكون الجزيرتان تحت السيادة المصرية المستقرة لمدة طويلة، ثم تقول الوثائق غير هذا؟! ... الشئ الطريف هو أن نقيب الصحفيين لم يقرأ المادة 151 من الدستور بخصوص التصرف القانونى مع أى اتفاقيات أو معاهدات تتعلق بحقوق السيادة التى اعترف سيادته بأن مصر تمارسها على الجزيرتين لسنوات طويلة ! .... آه، فقد نسيت أن الواقع والوثائق شئ آخر، وأن الدستور فى عهد السيسى ليس وثيقة يعمل بها، وأن لا أحد فى هذا النظام يؤمن بأن #تيران_وصنافير_مصرية !



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق