كلام عن الشحاتة والشحاتين (فقرات منقولة عن مذكراتى وذكرياتى)

15/06/2017 07:21


د. إبراهيم عوض

ومن الصعب علىَّ أيضا أن أستجيب لمحترفى الشحاتة، ولا تهش نفسى ‏لإعطائهم شيئا مهما كانت ضآلته لما أعرفه من أن كل همهم جمع الفلوس جمعا ‏مَرَضِيًّا، علاوة على كراهيتهم للعمل واستمرائهم مد اليد للسؤال، وهو ما ‏يكرهه ديننا أشد الكراهية. وبعضهم يشترى بما يشحته سجائر وخمورا أو ‏يكنز ما يجمعه من أموال. وأعرف حالات عُرِض فيها على بعض الشحّاتات ‏أن يزودهن أهل الخير برأس مال يتاجرن به فى الفاكهة والخضراوات، إلا أنهن ‏رفضن وفضلن أن يمددن أيديهن وتأتى المسألة يوم القيامة نكتة سوداء فى ‏وجوههن على التعفف والتنزه عن مذلة السؤال ورذالته. ‏

وقد كنت أتعاطف قبلا مع من يمدون أيديهم بالسؤال، وأتصور أنهم ‏محتاجون فعلا إلى أن نساعدهم ونعطيهم ما يطلبون وأنهم لم يلجأوا إلى ‏الشحاتة إلا بعدما ضاقت فى وجوهم وبهم السبل إلى الرزق. ولهذا كنت ‏أستغرب من أستاذى سيد أحمد أبو رية، رحمه الله وأكرمه أعظم الإكرام، أنه ‏لا يمد يده بشىء لهؤلاء الشحاتين حين يأتون إلى المقهى الذى نجلس فيه. ‏وسر استغرابى أننى أراه كريما ورحيما وحنونا معى إلى الغاية، فكيف لا يرقّ ‏لهؤلاء المساكين؟ هكذا كنت أفكر، إلى أن نضجتُ وفهمتُ الحياة ‏وخباياها، فأدركت أن هؤلاء الشحاتين المحترفين لا يحق لهم مد أيديهم ‏بالسؤال لأنهم قادرون على العمل، ومن ثم لا يصح أن نشجعهم على ‏الشحاتة، وأن القرآن قد أدان هذا السلوك، وأن رسول الله لا يحب للمسلم ‏أن يقف هذا الموقف البليد الذليل، وأن الأمم المتحضرة تجرّمه، وأن عالم ‏الشحاتة يتكون فى كثير من الأحيان من عصابات إجرامية تقوم على ‏التخطيط والمؤامرات واستغلال الأطفال وتأجيرهم هم والأماكن التى يقف ‏فيها الشحات، وأن كل شىء فى هذا العالم السفلى إنما يتم بنظام صارم ‏خال من المشاعر والإنسانية... وهكذا. ‏

وإنى لأضحك بل أقهقه كثيرا من أعماق قلبى جَرَّاءَ الحيل التى ‏ينتهجها بعض الشحاتين فى بلادنا الحبيبة، إذ يعلق أحدهم مثلا كيس دم فى ‏حامل وينام الصبى الشحات تحته فى الشارع، وكأننا فى مستشفى. وسر ‏ضحكى هو ما يوهمنا به مَنْ وراء هذا النوع من الشحاتين من أنهم يعالجون ‏مريضهم فى الشارع دون طبيب متخصص ولا أدوات جراحة ولا تمريض ولا ‏تعقيم. إنهم عباقرة لم تلد الواحد منهم ولادة، لا بنت المستكفى ولا بنت ‏غير المستكفى. ومن تلك الحيل ما تصنعه شحاتة فوق جسر المشاة القريب ‏من الجامعة فوق خط مترو الأنفاق هناك، إذ كلما مررت بها وهى جالسة ‏على الأرض وجدتها غافية، لكن ما إن تحس دبيب قدم تقترب من مجلسها ‏حتى تسارع إلى مداعبة حبات المسبحة التى فى يدها مناشدة ذوى القلوب ‏الرحيمة (الذين أنا لست واحدا منهم) بمساعدتها. فأمرّ بها وأنا أشعر ‏بالخجل لعدم استجابتى لمناشداتها التى تقطع نياط القلوب. يا لقلبى ‏المتحجر! ثم مرت الأعوام، وإذا بى أراها، بدلا من الجلوس وفى يدها ‏مسبحتها، نائمة فوق فراش على الجسر المذكور، وكلما شعرتْ بدبيب قدم ‏تقترب قالت فى صوت واهن مشحون بالمعاناة: "من فضلك ساعدنى". ‏لكن قلبى الصوانى القاسى لا يلين، مع استمرار شعورى بالخجل، ولا أدرى ‏لم. ثم شاهدتهافى الفترة الأخيرة وقد طورت أسلوبها، فتراها تجلس على ‏كرسى فوتيه قديم وتردد نفس الجملة، مع إضافة جديدة تتمثل فى وضع ‏بعض المصاصات على الأرض بجوارها كأنها تبيعها لمن يريد. ‏

والعجيب أن استعمالها الفصحى فى الشحاتة لم يؤثر فِىََّ رغم حبى ‏لمن يستعملون من طبقات الشعب غير المتعلمة ذلك المستوى الراقى من اللغة، ‏على الأقل: بحكم تخصصى. لكن ماذا تقولون فى قساوة القلب التى ابتلانى ‏الله بها؟ المهم أننى كنت دائما ما أتساءل مستغربا: من يا ترى يحملها كل ‏صباح إلى هناك فوق جسر المترو ويضعها بعد أن يفرش لها فراشها ويرجع، ‏ثم يعود آخر النهار فيحملها إلى البيت؟ ذلك أنى كنت أتصور أنها مريضة ‏فعلا. وهل يمكن أن يكون الأمر غير ذلك مع هذا الصوت الواهن وذلك ‏الشحوب فى وجهها؟ لأفاجأ ذات أصيل، وأنا فى طريق عودتى من ‏محاضرة آخر النهار، بها هى ذاتها واقفة فى نشاط وعافية تجمع عدة شغلها ‏وفراشها استعدادا للعودة المظفرة. وأعود فأقول: ابتسم، أنت فى مصر أم ‏الدنيا، التى صَرَّ أهلوها الفيل فى المنديل، وعبأوا الشمس فى زجاجات، ‏وخرموا التعريفة، وفوق ذلك دهنوا الهواء دوكو. فمَنْ مِنَ الأمم بالله عليك ‏استطاع أن يُنْجِز عُشْرَ مِعْشَار هذه الإنجازات؟ وأتخيل الجاحظ، الذى ألف ‏كتابا فى الشحاتة والشحاتين عَدَّد فيه حيلهم وألاعيبهم التى يعملون على ‏كسب عطف المارة من خلالها، وقد عاد إلى الدنيا ورأى الشحاتين المصريين ‏وأساليبهم التى لا تخطر على بال إبليس ذاته، فشرع يشد شعره من عجزه ‏عن ملاحقة هذه العبقرية وتخلُّفه عنها وعن أصحابها أشواطا طوالا. ‏

ولقد حاولت زمانا طويلا أن أعثر على رسالة الجاحظ الضائعة التى ‏ألفها عن الشحاتة والشحاتين (بعنوان "رسالة الكُدْيَة والـمُكَدِّين")، فلم ‏أجدها بتاتا، إلا أننى وجدت فى كتاب "المحاسن والمساوئ" للبيهقى تحت ‏عنوان "محاسن السؤال" ما يلى: "قال الجاحظ: سمعت شيخا من الـمُكَدِّين ‏وقد التقى مع شاب منهم قريب العهد بالصناعة، فسأله الشيخ عن حاله ‏فقال: لعن الله الكُدْيَة، ولعن أصحابها من صناعة ما أَخَسَّها وأَقَلَّها! إنها، ‏ما علمتُ، تُخْلِق الوجه وتضع من الرجال. وهل رأيت مُكَدِّيًا أفلح؟ قال: ‏فرأيت الشيخ قد غضب والتفت إليه، فقال: يا هذا، أَقْلِلِ الكلام، فقد ‏أكثرت. مثلك لا يفلح لأنك محروم، ولم تستحكم بعد. وإن للكُدْيَة رجالاً. ‏فما لك ولهذا الكلام؟ ثم التفت فقال: اسمعوا بالله. يجيئنا كل نبطيّ قرنانٍ ‏وكل حائك صفعان وكل ضرّاط كشحان يتكلم سبعًا في ثمان، إذا لم يصب ‏أحدهم يومًا شيئًا ثلب الصناعة ووقع فيها. أَوَمَا علمتَ أن الكدية صناعة ‏شريفة، وهي محببة لذيذة، صاحبها في نعيم لا ينفد، فهو على بريد الدنيا ‏ومساحة الأرض، وخليفة ذي القرنين الذي بلغ المشرق والمغرب، حيثما حلّ ‏لا يخاف البؤس، يسير حيث شاء، يأخذ أطايب كل بلدة؟ فهو أيام النرسيان ‏والهيرون بالكوفة، ووقت الشبّوط وقصب السكر بالبصرة، ووقت البرنيّ ‏والأزاذ والرّازقيّ والرمان المرمر ببغداد، وأيام التين والجوز الرطب بحلوان، ‏ووقت اللوز الرطب والسختيان والطبرزد بالجبل. يأكل طيبات الأرض، فهو ‏رخيّ البال حسن الحال لا يغتمّ لأهل ولا مال ولا دار ولا عقار. حيثما حلّ ‏فعلفه طبليّ. ‏

أما والله لقد رأيتني وقد دخلت بعض بلدان الجبل، ووقفت في ‏مسجدها الأعظم، وعليّ فوطة قد ائتزرت بها، وتعممت بحبل من ليف، ‏وبيدي عكازة من خشب الدفلى، وقد اجتمع إليَّ عالَمٌ من الناس كأني ‏الحجاج بن يوسف على منبره، وأنا أقول: يا قوم، رجل من أهل الشام ثم من ‏بلد يقال له: المصيصة، من أبناء الغزاة والمرابطين في سبيل الله من أبناء ‏الركّاضة وحَرَسة الإسلام. غزوت مع والدي أربع عشرة غزوة: سبعًا في ‏البحر وسبعًا في البر، وغزوت مع الأرمنيّ، قولوا: رحم الله أبا الحسن، ومع ‏عمر بن عبيد الله، قولوا: رحم الله أبا حفص، وغزوت مع البطال بن الحسين ‏والرنرداق بن مدرك وحمدان بن أبي قطيفة. وآخِر مَنْ غزوت معه يازمان ‏الخادم، ودخلت قسطنطينية وصليت في مسجد مسلمة بن عبد الملك. مَنْ ‏سمع باسمي فقد سمع، ومن لم يسمع فأنا أعرفه نفسي: أنا ابن الغزيّل بن الركان ‏المصيصي المعروف المشهور في جميع الثغور والضارب بالسيف والطاعن ‏بالرمح، سدٌّ من أسداد الإسلام، نازَلَ الملك على باب طرسوس فقتل ‏الذراري وسبى النساء، وأُخِذ لنا ابنان وحُمِلا إلى بلاد الروم، فخرجت ‏هاربًا على وجهي ومعي كتب من التجار، فقُطِع عليّ. وقد استجرت بالله ‏ثم بكم. فإن رأيتم أن تردّوا ركنًا من أركان الإسلام إلى وطنه وبلده! فوالله ‏ما أتممت الكلام حتى انهالت عليّ الدراهم من كل جانب وانصرفت ومعي ‏أكثر من مائة درهم. فوثب إليه الشاب وقبَّل رأسه وقال: أنت والله معلم ‏الخير فجزاك الله عن إخوانك خيرًا.‏

أصناف المكدين وأفعالهم: منهم المكي، وهو الذي يأتيك وعليه ‏سراويلُ واسعٌ دبيقيّ أو نرسي، وفيه تكة أرمنية قد شدّها إلى عنقه، فيأتي ‏المسجد فيقول: أنا من مدينة مصر، ابن فلان التاجر. وجهّني أبي إلى مَرْو في ‏تجارة، ومعي متاع بعشرة آلاف درهم، فقُطِع عليّ الطريق، وتُرِكْتُ على هذه ‏الحال، ولست أحسن صناعة ولا معي بضاعة، وأنا ابن نعمة، وقد بقيتُ ‏ابن حاجة. ومنهم السَّحَرِيّ الذي يبكر إلى المساجد من قبل أن يؤذن ‏المؤذن. والشجوي الذي كان يؤثّر في يده اليمنى ورجليه حتى يُرِيَ الناس أنه ‏كان مقيّدًا مغلولاً، ويأخذ بيده تكة فينسجها يوهمك أنه من الخلديّة، وقد ‏حبس في المطبَّق خمسين سنة. ومنهم الذرارحي الذي يأخذ الذراريح ‏فيشدها في موضع من جسده من أول الليل ويبيت عليه ليلته حتى يتيقظ ‏فيخرج بالغداة عريانًا، وقد تنفّط ذلك الموضع وصار فيه القيح الأصفر، ‏ويصبّ على ظهره قليل رماد فيوهم الناس أنه محترق. ومنهم الحاجور، وهو ‏الذي يأخذ الحلقوم مع الرئة، فيدخل الحلقوم في دبره ويشرّح الرئة على فخذه ‏تشريحًا رقيقًا ويذرّ عليه دم الأخوين. ومنهم الخاقاني الذي يحتال في وجهه ‏حتى يجعله مثل وجه خاقان ملك الترك، ويسوده بالصبر والمداد، ويوهمك أنه ‏ورم. ومنهم السّكوت الذي يوهمك أنه لا يحسن أن يتكلم. ومنهم الكان، ‏وهو الذي يواضع القاص من أول الليل على أنه يعطيه النصف أو الثلث ‏فيتركه حتى إذا فرغ من الأخذ لنفسه اندفع هو فتكلم. ومنهم المفلفل، ‏الرفيقان يترافقان فإذا دخلا مدينة قصدا أنبل مسجد فيها، فيقوم أحدهما في ‏أول الصف، فإذا سلم الإمام صاح الذي في آخر الصف بالذي في أول ‏الصف: يا فلان، قل لهم. فيقول الآخر: قل لهم أنت: أنا أيش. فيقول: قل، ‏ويحك، ولا تستح. فلا يزالان كذلك وقد علّقا قلوب الناس ينتظرون ما يكون ‏منهما، فإذا علما أنهما قد علقا القلوب تكلما بحوائجهما وقالا: نحن ‏شريكان، وكان معنا أحمال بَزٍّ كنا حملناها من فسطاط مصر نريد العراق ‏فقُطِع علينا، وقد بقينا على هذه الحال لا نحسن أن نسأل، وليست هذه ‏صناعتنا. فيوهمان الناس أنهما قد ماتا من الحياء. ومنهم زكيم الحبشة ‏الذي يأتيك وعليه درّاعة صوف مضرّبة مشقوقة من خلف وقدّام، وعليه ‏خفّ ثغري بلا سراويل يتشبه بالغزاة. ومنهم زكيم المرحومة المكافيف ‏يجتمعون خمسة وستة وأقل وأكثر، وقائدهم يبصر أدنى شيء، عينه مثل ‏الخفاش يقال له: الإسطيل، فهو يدعو وهم يؤمنون. ومنهم الكاغانيّ الذي ‏يتجنن أو يتصارع ويزبد حتى لا يشك أحد في جنونه وأنه لا دواء له لشدة ‏ما ينزل به. ومنهم القرسيّ، وهو الذي يعصب ساقيه أو ذراعيه عصبًا ‏شديدًا ويبيت على ذلك ليلة، فإذا تورم واحتقن فيه الدم مسحه بشيء من ‏صابون ودم الأخوين وقطر عليه من سمن البقر وأطبق عليه خرقة ثم كشف ‏بعضه، فلا يشك من رآه أنه آكلة نعوذ بالله منها. ومنهم المشعب الذي يحتال ‏للصبي حين يولد بأن يزمنه أو يعميه ليسأل به الناس، وربما جاءت أمه أو ‏يجيء أبوه فيتولى ذلك: فإما أن يكسبا به أو يكرباه. فإن كان عندهما ثقة، ‏وإلا أقام بالأولاد والأجرة كفيلاً. ومنهم الفيلور، وهو الذي يحتال لخصيتيه ‏حتى يريك أنه آدَر، وربما أراك أن بهما شرطًا أو جرحًا، وربما أراك ذلك في ‏دبره. وتفعل المرأة ذلك بفرجها. ومنهم الكاخان الغلام المكدي إذا واجر ‏وعليه مسحةٌ من جمال وعمل العملين جميعًا. والعوّاء الذي يسأل بين المغرب ‏والعشاء ويطرّب في صوته. ومنهم الإسطيل، وهو المتعامي الذي إن شاء ‏أراك أنه أعمى، وإن شاء أراك أنه ممن نزل في عينه الماء، وإن شاء أراك أنه ‏لا يبصر. ومنهم المزيديّ، وهو الذي يدور ومعه دُرَيْهِمَات، يقول: هذه ‏دريهمات قد جُمِعَتْ لي في ثَمَن قطيفة، فزيدوني فيها، ورحمكم الله. ومنهم ‏المستعرض الذي يعارضك وهو ذو هيئة في ثياب صالحة، يريك أنه يستحيي ‏من المسألة ويخاف أن يراه معرفة فيعرض لك اعتراضًا ويكلمك خَفتًًا. ومنهم ‏المطيّن، وهو الذي يطيّن نفسه من قرنه إلى قدمه ويأخذ البلاذر يريك أنه يأكل ‏البلاذر".‏

منك لله يا جاحظ على خفة ظلك وموسوعيتك حتى فى عالم ‏الشحاتة والشحاتين. ولكن يا عمنا الكبير لا يسعنى، رغم ذلك كله ورغم ‏عبقريتك التى شهد لك بها العالم كله من عرب ومستشرقين، إلا أن أقول لك: ‏قديمة! فشحاتونا فى مصر فاقوا شحاتيك. اسمع يا سيدى ما قاله لنا، ‏ونحن جالسون ليلا عند كُشْكِه بجوار مسجد الشيخ غراب بحدائق القبة، ‏الحاج منصور العدلى جارنا وصديقنا وممولنا بالحكايات الطريفة الآتية من قاع ‏المجتمع والتى تقطر ظرفا، إذ ذكر لنا ذات جلسة أنا ود. محمود عباس، ‏الأستاذ الجامعى الأزهرى الذى لا يدانيه أحد فى خفة الظل وحلاوة الروح ‏والذى يعشقه مستمعو إذاعة القرآن الكريم، أن من حيل الشحاتين الآن أن ‏يأتى قوم بعد صلاة العصر بنعش أبيهم الميت إلى المسجد يريدون أن يصلى ‏الإمام والناس عليه قبل أخذ الجثة إلى القرافة، ولكن ما إن يستعد الإمام ‏والناس للصلاة على النعش حتى يندفع من مكان ما بالمسجد رجلان تنشق ‏الأرض عنهما بغتة، فيصيحان بالناس ألا يصلوا على الرجل قبل أن يدفع لهما ‏أهله ما كان مدينا به لهما، إذ الصلاة على الميت لا تجوز إلا بعد قضاء ‏الديون التى عليه. وهنا تقوم مشادة بين الرجلين وأهل الميت يحاول فيها أبناء ‏الرجل وأقاربه أن يقنعوا الدائنين بئأجيل المطالبة بالفلوس حتى يدفنوا الجثة ‏ويصير لكل حادث حديث، إلا أن الرجلين صاحبى الدَّيْن لا يقتنعان ولا ‏يلينان، ويريدان حقهما ثالثًا ومثلَّثًا الآن فورا، وإلا حالا دون الصلاة على ‏ميتهم. ويحاول مرة أخرى أهل الرجل الاعتذار بأنهم لم يحسبوا لهذا الأمر ‏المباغت حسابا، ومن ثم فهم غير مستعدين للدفع حاليا ولا معهم فلوس ‏أصلا. وبعد شد وجذب يتطوع أولاد الحلال من بين المصلين، وهم كثر بحمد ‏الله لأن البَلَه بين البشر كثير، فيعرضون على الحاضرين أن يجمعوا المبلغ ‏المطلوب إنقاذا للموقف الحرج حتى يمكن الصلاة على الميت والذهاب به إلى ‏الجبّان لدفنه. وهكذا يتم جمع المبلغ والصلاة على الرجل، وينصرف أهله ‏بنعشه، وينصرف الدائنان لحال سبيلهما، وينفض السامر من الجامع، وتنتهى ‏المسرحية الكوميدية التى رأينا فصولها، والتى ألفها وأخرجها وأداها ‏أصحاب النعش والدائنان وأول رجل كريم أخرج من جيبه بعض المال فصنع ‏الموجودون صنعه، واستطاعوا بها أن يقرطسوا الحاضرين ويأخذوا منهم ‏مالهم، مع أنه لا يوجد ميت ولا ديَّانة ولا يحزنون. والآن أليس الشحاتون ‏المصريون على أيامنا هذه الغبراء أذكى وأدهى وأظرف من شحاتى العراق ‏على أيام الجاحظ؟

ولكنْ كله كوم، وشحات الغرام كوم آخر، ذلك الشحات الذى لم يعرفه ‏ولم يسمع به لا الجاحظ ولا ابن المقفع ولا البيهقى ولا بديع الزمان الهمدانى ‏ولا الحريرى ولا الجن الأزرق من قبل. اسمع ما يقوله شحات الغرام محمد ‏فوزى وما ترد به عليه معشوقته رهيفة القلب العطوفة الحنونة ليلى مراد، التى ‏تطل عليه من شرفة قصر أبيها، وقد وقفت وراءها، بغرفة النوم الفسيحة ‏الفخمة ذات الستائر المترفة الهفهافة ثم فى الشرفة الجميلة الفينانة التى يمرح ‏فيها الخيل على راحتها، الشغالة خالدة الذكر وكاتمة الأسرار الغرامية لستاتها ‏الشابات فى الأفلام المصرية، الممثلة خيرية أحمد، وفى يديها وردة تقطف ‏ورقاتها ورقة ورقة فى هيام وغرام، ثم تضم ما بقى منها إلى صدرها فى وَلَهٍ ‏ودَلَهٍ، بينما الحوار الغنائى الحنون شغّال على أذنه بين العاشقين: الفتاة الجميلة ‏المطلة على حديقة قصرها تحاول أن تصرف العاشق الشحات اللجوج، وإن ‏كانت فى الواقع تريد استمرار بقائه تحت الشرفة يعرض حبه وقلبه كى يشبع ‏غرورها بجمالها ورقتها وأناقتها وثروتها، والشحات الأنيق ببدلته الجديدة ‏الغالية، وحذائه اللامع الذى ليس عندى مثله، ورباط رقبته الذى سيأكل ‏منها حتّة، وعكازه المضحك الذى أمسك به فى يده وحَنَى جذعه عليه ‏تظاهرا بالضعف والانكسار والمسكنة، وقد وضع

يده على أذنه كأى ‏شحات مُعْدِم جار عليه الزمان، وهو يغنى فى لجاجة وارتعاش، ويتقدم نحو ‏القصر متعارجا حتى يكون تحت الشرفة مباشرة، طالبا أية حسنة من ‏عاشقته الظريفة: نظرة أو بسمة أو كلمة رضا أو ساعة صفا أو ما أشبه، ‏لينتهى المشهد بوردة ندية تلقى بها إليه من عليائها فيتقبلها شاكرا مبتهلا إلى ‏الله أن يزيدها من نعيمه الذى أفاضه عليها جمالا ودلالا. ودعنا من روعة ‏الأداء والتمثيل وخفة الظل وتمطيط الكلمات وتكريرها وترقيصها وتظاهر ‏روميو الشحاتين بالحزن الشديد حتى لنظن أنه يوشك أن ينهار باكيا. ‏مسكين يا روميو الشحاتين:‏

‏- شحّاتْ ومَدّ إيديه وكسْر خاطْرُه حرامْ‎

‏- حَدَفُه الْهَوا هنا ليه؟‎

‏- طالبْ تحنُّوا عليه يا محسنين الغرامْ‎

‏- وَنحِنّ، قول لى، بإيه؟‎

‏- ارموا له له نظرهْ ولاَّ ابتسامهْ‎

حَسَنَهْ، وتنفعْ يُوم القيامهْ‎

‏- يعطيكْ، لله‏‎

‏- والنَّبِى إحسانْ لله!‏‎

‏- قلت: على الله! ‏

‏- وأنا قلت: كمان لله!‏‎

‏- اِسْرَحْ!‏‎

‏- للهْ! ‏‎

‏- رَوَّحْ!‏‎

‏- لله! ‏‎

يامحسنين الغرام، لله‏‎

يا أرقّّ خلق اللهْ،‎

ضِيف الجمالْ مكروم‏‎

‏- هُوَّ احْنا ضَيِّفْناه؟‎

‏- ما تْرُدِّنِيشْ محرومْ‏‎

‏- إيهْ كل ده؟ باينْ عليكْ طماعْ!‏‎

‏- هُوَّ كدهْ. الشحاتينْ أنواعْ!‏‎

كلمةْ رضا لله!‏‎

‏- عايز الرضا صدقاتْ؟‎

‏- ساعةْ صفا لله!‏‎

‏- زوِّدْتها يا شحاتْ!‏‎

اسرحْ!‏‎

‏- لله!‏‎

‏- رَوَّحْ!‏‎

‏- لله! ‏‎

‏- يا شحاتين الغرام، على الله!‏‎

‏- يظهر: صحيح اللى بتشكيه. غلبانْ يا روميو الشحاتين‏‎

‏- غَلِّبْنى إيه الاّ عْنِيكى؟‎

‏- أنا قلبى رَقّ وأثر فيه. صوتك، ياكبدى على المسكينْ!‏‎

‏- لو تسعديه: شِىءْ فى إيديكى‎

‏- ما بقِتْش اقول: "الله يحننْ"، لا الناسْ تسمّينى بخيلهْ‎

‏- والبخل فى الـحُبّ يجنِّنْ. صَدَقَهْ، وتِرْضِينى، قليلهْ‏‎

‏- على ما قُسُمْ، وخلاصْ، خُدْها‎

‏- ياخُدْ عَدُوِّينِكْ‎

‏- نادْيهْ ولِسَّهْ بعنقودْها‎

‏- يا رُوحْ مُحِبِّينِكْ‎

اللهْ يزيدْ حسنِكْ قِيمَهْ.‏‎‎زينْةِ الجناينْ والبساتينْ‏‎

ولا يِخْلِيهُمْ لك ياكريمهْ. من ورد أبدا ولا ياسمينْ‎

ولا فُلّ. تعيشْ إلهام‎

إدينى معادْ لله‏‎

‏- فُوتْ بكرهْ خمسهْ تمامْ‏‎

مِنْ قَدِّمْ شىءْ بيداه‎

يِلْقَاه، وْكُلُّهْ على الله‏‎

كله وكله على الله‎

‏- يجعلْها عمَارْ. بيوت الأحبابْ‎

وانا باستمرارْ. حَوَالِينِ البابْ‏

ولأنى شيخ مطمطم، ولا يمكن أن يمر شىء من تحت أنفى إلا وحللته ‏لغويا وأدبيا، فإنى دائما ما أسأل طلبتى وطالباتى: هل إذا قلنا بالفصحى ‏على طريقة الشحاتين فى الشوارع أو فى البساتين تحت شرفات القصور ‏تحنينا للقلوب، قلوب أهل الخير وقلوب أهل الحب على السواء: "من قدم ‏شيئا بيداه التقاه"، أنكون على صواب؟ وحتى الآن لم يستطع طالب أن ‏يتذكر ما درّسه له أساتذته فى مادة النحو من أن المثنى كان يُعْرَب بالألف ‏فى كل الأحوال: رفعا ونصبا وجرا عند بعض القبائل العربية. ولو كانوا ‏أذكياء لأجابونى: نحن لسنا شحاتين. فكيف نستطيع الرد على هذا السؤال ‏النحوى الفقايرى؟ لكنهم، للأسف، ليسوا أذكياء. ومرة أخرى أسأل ‏الجاحظ: بالله هل كان عندكم، يا جاحظ، شحات كهذا الشحات الظريف ‏الذى قد يحق لى أن اباهى به لأنه من قرية شبه مجاورة لقريتى، وكم لعبنا ‏الكرة ونحن صغار ضد لداتنا من نفس أسرته؟ ‏

ورغم كل ما قلته عن عدم استجابتى للشحاتين المحترفين فإننى أنسى ‏هذا المبدأ فى بعض الأحيان تحت ضغط عاطفى: فعلى سبيل المثال كنت ‏ليلة العيد الكبير الماضى أتريض قبيل الفجر، وإذا بى، وأنا مار بكنتاكى ‏الكائن بشارع مصر والسودان بحدائق القبة، أرى طفلا فى نحو التاسعة من ‏عمره متوسط الحجم يلبس معطفا باليا خشنا، وليس فى قدميه حذاء، ‏ومتسخا كأنه لم ير الماء منذ قرون، ويجلس بباب المطعم أعلى الدَّرَج مكتفيا ‏بالتطلع فى وجوه الداخلين والخارجين دون أن يمد يده لأحد أو يتعرض ‏لأحد، فتحركت مشاعرى نحوه، وعزمت حين أنتهى من جولة الذهاب أن ‏أشترى له طعاما ومشروبا. وفعلا فى طريق عودتى توقفت عند مخبز ‏أفرنجى قريب من جامع الشيخ كشك، واشتريت له فطائر وبسكويتا وبعض ‏القرص المحشوة، وعلبة بيبسى (كانز)، ودعوت الله أن أجده فى الموضع ‏الذى شاهدته فيه. وكم كانت سعادتى كبيرة حين وجدته هناك لم يبارح ‏المكان. اقتربت منه، وكان متحفظا بعض الشىء، فربَّتُّ على كتفه وطمأنته ‏قائلا: هذا الطعام لك. لكن قل لى: ماذا تفعل هنا فى هذا الوقت المتأخر ‏من الليل؟ قال بعد شىءمن التردد والتوجس: أمرنى أبى أن أخرج من البيت ‏لأشحت وألا أعود إليه إلا بعد أن أجمع له ستين جنيها. رَبَّتُّ على كتفه مرة ‏أخرى، وأنا متألم قائلا فى نفسى: لقد كان من الممكن جدا أن أكون مكان ‏هذا الصبى المسكين أنا أو أحد من أولادى. هل هناك ما يمنع من ذلك؟ ‏كلا وألف كلا. وحمدت الله أن أقدرنى على إدخال السرور على قلب ‏الولد، الذى يشترك معى فى الإنسانية، وإن كانت ظروفه سيئة، وظروفى أنا ‏حسنة. ثم مضيت وأنا أعلم أن ما صنعته لا يحل المشكلة. لكن ماذا كان ‏باستطاعتى أن أفعل؟ ‏

وبالمثل تعرضت الليلة لموقف آخر استثارَ عطفى وشفقتى، إذ كنت ‏عائدا بالسيارة من مشوار فى مدينة نصر عن طريق شارع مصطفى ‏النحاس، ثم انعطفت فى الشارع الذى يقوم على ناصيته من الناحية الأخرى ‏مسجد رابعة العدوية. وكانت الإشارة عند المسجد مغلقة، وكانت هناك ‏بنت صغيرة فى نحو السابعة من عمرها صغيرة الحجم تبيع فى حقيبة ‏قماشية (مخلاة) معلقة فى كتفها مناديل ورقية. بطبيعة الحال الفتاة تتبع معلما ‏أو معلمة توجهها هى وأمثالها، أو ربما تعمل مع أمها أو أبيها. إلى هنا، وليس ‏فى الأمر شىء غير اعتيادى، إلا أننى لاحظت أن البنت، حين عرضت ‏المناديل علىَّ، كان صوتها خفيضا وحييا ومنكسرا لكن دون ذلة. كما ‏كانت حلوة التقاطيع وعلى قدر من النظافة. حرك المنظر عواطفى، ولكن ‏البنت غادرتنى وانطلقت فى خفة حركة إلى الأمام، فمددت يدى أبحث فى ‏جيوبى عن الجنيهات المعدنية التى معى، فاستخرجت اثنين، ثم عدت فزدتها ‏واحدا آخر فصارت ثلاثة جنيهات، ثم عدت فأرجعتها مكانها، وأخرجت ‏بدلا منها ورقة بخمسة جنيهات كى أسكت ضميرى. ثم فُتِحَتِ الإشارة ‏الضوئية، فاقتربت السيارة من البنت التى كانت قد وصلت إلى مكان ‏شرطى المرور عند الإشارات الضوئية، وأردت الوقوف ومناداتها لأعطيها ‏الورقة المالية وأُسِرّ إليها أنها من أجل عشائها هى وليست من أجل المعلم أو ‏الأب الذى يسرّحها. لكن البوق المستعجل الغاضب الذى ضربه لى قائد ‏السيارة التالية لى منعنى من التريث عند البنت، ومضيت وأنا متألم لعدم ‏إعطائى البنت الجنيهات الخمسة، واستغفرت الله. قد يرى البعض فى هذا ‏لونا ساذجا من التفكير، فالبنت فى الغالب لن تستطيع أن تحجز الجنيهات ‏الخمسة لنفسها، لكنى إنما أردت أن أشعرها بأننى أنظر إليها كإنسانة مثلنا ‏جميعا، ولذا أفكر فى أمر خاص بها شخصيا لا فى مجرد مبلغ من المال ‏أعطيها إياه على سبيل الصدقة. ترى أأنا على حق أم على خطإ؟ لا ‏أدرى، ولكن العواطف لا تفكر بهذه الطريقة.‏

وما دمنا فى الحديث عن الأطفال المحرومين فلأنتهز هذه الفرصة لأنقل ‏هذا التقرير الصحفى الذى قرأته الآن فى موقع جريدة "المصريون" بتاريخ 12 ‏إبريل 2013هـ بعنوان "الملاجئ هبة أطفال الشوارع فى مصر"، وهو تقرير ‏يبعث على الألم الشديد. وغايتى من نقله أن يعرف من لهم بيت وأب وأم ‏أنهم فى نعمة، وأن يستشعر القادرون منا العطف والرحمة على الأطفال ‏المسحوقين والمحرومين، وما أكثرهم فى مصر المحروسة. يقول التقرير، وقد ‏أَجَلْتُ فيه القلم ببعض التصحيحات اللغوية، ولكن تركت مضمونه دون أى ‏تدخل من جانبى ولا بالتعليق أيا كان رأيى فيما يحتوى عليه: "تزداد أعداد ‏أطفال الشوارع فى مصر كل يوم، وبالتحديد فى الآونة الأخيرة، فقد وجدنا ‏الكثير من المخربين والمندسين فى المظاهرات السلمية والاعتصامات الفئوية. ‏وعندما نركز فى الخراب وإلقاء زجاجات المولوتوف نجدها تصدر من قِبَل ‏أطفال لا يتعدى عمرهم الخمسة عشر عاما، ونشعر بأنهم يريدون الخراب ‏حتى وإن كانوا غير مؤيدين لأشخاص أو أحزاب، ولكنهم يريدون أن تستمر ‏الفوضى فى مصر. فمن هؤلاء الأطفال؟ وما الذى يجعلهم يفعلون هذا؟‏

معظم هؤلاء الأطفال من أطفال الملاجئ الذين عاشوا طفولة يائسة ‏تخلو من كل معانى الحياة الجميلة، ويشعرون دائما أن المجتمع هو السبب فى ‏كل ما يحدث لهم من تدمير لطفولتهم وضياع لمستقبلهم. ففى أحدث ‏الإحصائيات الصادرة من الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء بشأن ‏أعداد الملاجئ فى مصر جاءت كالتالى: محافظة القاهرة توجد بها 38 ‏جمعية, الإسكندرية 17 جمعية, بورسعيد 10 جمعيات, حلوان 6 جمعيات, ‏مدينة 6 أكتوبر جمعيتان, دمياط 10 جمعيات, الدقهلية 19 جمعية, الشرقية ‏‏7 جمعيات, القليوبية 9 جمعيات, كفر الشيخ 14 جمعية, الغربية 23 جمعية, ‏المنوفية 8 جمعيات, البحيرة 15 جمعية, الإسماعيلية 9 جمعيات, الجيزة 14 ‏جمعية, بنى سويف 7 جمعيات, الفيوم 5 جمعيات، المنيا 23 جمعية, أسيوط ‏‏10 جمعيات, سوهاج 38 جمعية, قنا 12 جمعية, أسوان 9 جمعيات, ‏الأقصر 7 جمعيات, البحر الأحمر جمعيتان, الوادى الجديد 9 جمعيات, ‏مطروح 4 جمعيات, شمال سيناء جمعيتان, جنوب سيناء جمعية واحدة. ‏وفى إطار ذلك رصدت "المصريون" آراء إخصائيى جمعيات الملاجئ ‏والخبراء الاجتماعيين للوقوف على أسباب رفض أطفال الملاجئ للمجتمع ‏والرغبة فى الانتقام منهم، ومن المسئول عن تدمير طفولتهم ومستقبلهم: ‏

فى البداية تقول عبير محمد أنور، إخصائية اجتماعية بجمعية المواساة، ‏إن أطفال الملاجئ دائما رافضون للمجتمع حتى وهم داخل الجمعية، فهم ‏دائما خائفون ورافضون الاختلاط بأى شخص خارجها. ودائما ما أقول لهم ‏إنهم أحسن حالا من أطفال الشوارع، لأن المؤسسة لدينا تقوم برعاية الأطفال ‏الذين ينتمون إلى أسر، ولكن أهاليهم مواطنون غير قادرين على تربيتهم ‏بسبب ظروف مالية ومعيشية. ودائما ما يكون السبب وراء إيداع هؤلاء ‏الأطفال داخل الملاجئ هى الأم: فهناك من تكون والدته متوفاة، وهناك من ‏تكون والدته أرملة أو مطلقة ولا تستطيع تربيته ورعايته لأنها سوف تتزوج، ‏فتأتى به إلى هنا وتتركه، ومن وقت إلى آخر تأتى لتطمئن عليه... ‏وهكذا.‏

‏ وهناك من يأتى به أهله ويَعِدُونه بأنهم سوف يأتون لزيارته، ولا ‏يسألون عنه. وهناك أطفال يذهبون لزيارة أهاليهم ويشاهدون بأعينهم كيف ‏يعانى باقى إخوتهم من الجوع والمرض وعدم التعليم، فيحمدون الله ويشكرون ‏أهاليهم بأنهم أودعوهم تلك المؤسسة. ولدينا أطفال يستمرون معنا من فترة ‏الروضة إلى المرحلة الإعدادية. وهناك من يريد أن يكمل الثانوية العامة. ‏وأغلبهم لا يريد أن يكمل دراسته، ويكتفى بالمرحلة الإعدادية. وهناك من ‏يكمل دراسته إلى المرحله الثانوية ويحصل على دبلوم. ومنهم من يتركنا ويقرر ‏الاعتماد على نفسه. ومنهم من يعمل معنا، ونقوم بتوفير فرص عمل له. ‏وهناك من يعمل خارج المؤسسة، ولكنه يعود كل يوم للمبيت هنا. وبالنسبة ‏للبنات عندما ينتهين من دراستهن يخترن أن يذهبن لأهلهن، ولكنهن يتزوجن ‏على الفور، فنقوم نحن بتجهيزهن وتوفير كل متطلباتهن من الجمعية حتى ‏نطمئن على الفتاة فى منزلها مع زوجها أو مع أسرتها.‏

فى السياق ذاته تقول نيفين عادل، إخصائية الجمعيات والملاجئ ‏التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية: إن ملاجئ الأطفال غير آدمية بالمرة، وليس ‏لديها القدرة على تربية أجيال جديدة. وذلك لأن المدرسين الذين يعملون ‏بها، وحتى المشرفين والمشرفات، لا يتقاضون رواتب ترضيهم، ولا تلبى ‏احتياجاتهم. فبالتالى لا يشعرون بالرضا، ويكون لديهم اكتئاب من ‏وظيفتهم. أما المؤسسات والملاجئ الخاصة فهى تتلقى تبرعات كبيرة من ‏رجال أعمال، وذلك لترويج الملاجئ والمؤسسات عن طريق الإعلانات ‏المدفوعة الأجر وغيرها، وبالتالى يعطون رواتب كبيرة للعاملين والموظفين بها. ‏ويكون رد فعل المدرسين والمشرفين من هذا الرضا هو المعاملة الحسنة ‏للأطفال. وحتى التبرعات التى كانت تأتى لنا من فاعلى الخير قلت، بل ‏انعدمت تمامًا، وذلك نظرا للظروف الاقتصادية بمصر. وكل هذا بالطبع يؤثر ‏بالسلب على سلوكيات هؤلاء الأطفال. ولكن المؤسسات الخاصة من ‏الممكن أن تخرج أجيالا من الممكن أن يكونوا صالحين ونافعين للمجتمع ‏ولأنفسهم، ففاقد الشىء لا يعطيه.‏

ويقول أشرف سعيد، وهو مشرف اجتماعى بإحدى الجمعيات: إن ‏الأطفال الموجودين داخل المؤسسات لا يشعرون بالرضا من أى شىء يقدم ‏لهم، فهم كارهون لكل شىء، وكل شىء يقدم لهم، سلبيا أو إيجابيا، هو ‏بالنسبة لهم لا يعنى أى تقدير، ولا يمثل لهم أية فرحة لأن الشىء المقدم لهم ‏ليس من ذويهم. فكل هدف هؤلاء الأطفال هو الخروج من الملاجئ ‏والمؤسسات والذهاب للعيش مع أهاليهم. فهناك طفل فى الصف الثالث ‏الإبتدائى جاءت والدته لتُودِعه عندنا لعدم قدرتها على الإنفاق عليه، ومن ‏وقت لآخر تأتى هذه الأم لترى ابنها وتطمئن عليه. ففى الفترة التى لا تكون ‏الأم معه لا يأكل ولا يشرب ولا يتكلم. فقط يبكى. وعندما يأتى أهل الخير ‏ليعطوه بعض الحلوى يرفض ويأخذ فى الصراخ والبكاء، ولكن عندما تأتى ‏أمه ومعها شىء بسيط له مثل كيس شيبسى يكون فى قمة سعادته ويأكل ‏ويضحك ويلعب. وعندما تمشى الأم يستمر فى البكاء... وهكذا. فهذا ‏الطفل مهما قدمنا له من رعاية وغيرها فلن يكون راضيا عنها على ‏الإطلاق.‏

من زاوية أخرى قالت الدكتورة عزة كريم، أستاذة علم الاجتماع بالمركز ‏القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية: إن نوعية المؤسسات تختلف فى تبنيها ‏للأطفال حسب ظروفهم الاجتماعية: فهناك مؤسسات لرعاية الأطفال ‏اليتامى، وهناك مؤسسات لرعاية اللقطاء أو مفقودى النسب، وهناك ‏مؤسسات لرعاية الأطفال الضالين أو التائهين عن أهاليهم. وهؤلاء الأطفال يتم ‏توزيعهم على حسب المؤسسة. ولكن القضية هى أنه، إلى وقتنا هذا، لا ‏تستطيع المؤسسات الموجودة فى مصر، وللأسف الشديد، تأهيل أجيال ‏جيدة وإبرازها للمجتمع بسبب عدم توافر الرعاية الطبية والتعليمية والنفسية ‏والتربوية نظرا لأن من يقوم بالعمل، سواء كانوا مدرسين أو مشرفين أو ‏إخصائيين اجتماعيين، هم غير مؤهلين ولا متدربين عليه بشكل لائق. ‏والدليل على هذا أن هؤلاء الأطفال لا يطيقون العيش داخل المؤسسة أو ‏الملجأ فترة طويلة، فنجد أن الطفل عندما يصل إلى عمر معين يهرب على ‏الفور من المؤسسة، ولا يطيق العيش هناك. وحتى لو وجدنا بعض الأطفال ‏يكملون المدة داخل المؤسسة ويخرجون منها بعد انتهاء الفترة المسموح لهم ‏للعيش داخلها، ويخرجون للتعامل مع المجتمع، فإنهم لا يستطيعون أن يكوّنوا ‏أسرة ولا يستمرون فى العمل أو فى وظيفة، وإن أكملوا لا يستطيعون أن ‏يكونوا أولياء أمور: لا آباء صالحين ولا أمهات. وذلك كله يرجع إلى المعاملة ‏القاسية والتربية غير الصحيحة التى تلقَّوْها داخل المؤسسة أو الملجإ.‏

‏ غير أننا قمنا بعمل بحث منذ فترة مع هؤلاء الأطفال، وكان ردهم ‏واحدا: نحن نشعر أننا داخل سجن، أو مجندون فى الجيش من كثرة النظام: ‏فالأكل بمواعيد، والنوم بمواعيد، والاستيقاظ بمواعيد، والضحك بمواعيد، ‏والبكاء بمواعيد. وهم يمثلون شريحة كبيرة فى المجتمع. وأى أسرة طبيعية لا ‏يوجد بها هذا النظام القاتل، فحياتهم أسهل بكثير من هذا الروتين الذى ‏تضعه المؤسسات والملاجئ لهؤلاء الأطفال. وللأسف هذا النظام تخضع له ‏جميع الجمعيات والمؤسسات والملاجئ الحكومية والأهلية. فنحن لا نجد ‏وزيرا أو شخصية عامة فى مصر كان موجودا داخل مؤسسة أو ملجأ. وكل ‏هذا لأن القائمين على عملية التربية والتأهيل لهؤلاء الأطفال غير مؤهلين لها. ‏ولو نظرنا إلى الدول الغربية نجد أن الأطفال اللقطاء يخرج منهم الوزير ‏والشخصيات العامة. فأبرز الشخصيات العامة فى الغرب كان أصلهم ‏لقطاء، وتربَّوْا فى ملاجئ، وذلك لأن الجمعيات أو المؤسسات والملاجئ ‏الموجودة فى البلدان الغربية تعامل الطفل معاملة آدمية وتحترم هؤلاء الأطفال، ‏إذ ليس لهم أى ذنب فيما ولدوا عليه، ولأن الشخص لديهم مهما كانت ‏ظروفه يعنى لهم الكثير".‏



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق