تابعنا على الانترنت
استفتاء

عفاريت عدلي علاّم .. أحلام العاجز والمقهور

11/06/2017 11:17


د. محمد المهدى

يقترب عدلي علاّم من نهاية العمر , موظف روتيني في دار الكتب , يبدو على وجهه وجسده إرهاق السنين وقهر الزمان والأحداث , وعلى الرغم من ذلك يحمل بداخله بقية من أحلام مجهضة ومشاريع يائسة لهذا يكتب مقالات متمردة وناقدة في الصحف بأسماء مستعارة خوفا من شيء ما لم يعلن عنه , ولكنه في الأغلب سقف الحرية المنخفض في أغلب مراحل حياته , أو الخوف المخزون في داخله من التعبير المباشر عن رأيه , فهو حذر لا يعلن رأيه في أي شيء بصراحة .

هو غير سعيد في حياته الزوجية مع زوجته الدميمة الجاهلة سليطة اللسان , وغير سعيد في وظيفته وفي تعامله مع رئيسه في العمل ومع زملائه , وغير سعيد في حياته العامة , ويواجه أحداثا وضغوطا لا قبل له بها , والحياة تدور من حوله بلا منطق مفهوم , وهو يحاول أن يسلم للأحداث ويتقبل الأوضاع على سوئها على اعتبار أنه لم يبق له في الحياة إلا القليل ويرحل منها , ولكن يبدو أن بداخله تراكم اعتراض وتمرد على كل ماسبق , وبما أن الأمور تسير من حوله بلا منطق مفهوم , هنا يأتي الحل أيضا بلا منطق مفهوم , فتظهر له عفريتة جميلة "سلا" تعوضه عن حرمانه من الحب ومن أشياء أخرى , وتحقق له كل ما يتمناه بإشارة من إصبعها , وتجعله يتغلب على كل الصعوبات التي تواجهه , وتعيد إليه ذكرياته وتلملم له أشلاء حياته , وتعيد له إمكانية أن يحب ويحب , وتجعله قادرا على مواجهة مظاهر الفساد والقهر التي تحيط به من كل مكان , وكأنها جاءت ترمم كسور وشروخ وثقوب حياته كلها , ولتعيد الروح إليه , وهو يقف مذهولا لا يكاد يصدق ما يحدث , ويحاول ظاهريا أن يتبرأ منه ولكنه داخليا يسعد به .

قد تكون تلك أحلام نهاية العمر حين يعجز العقل ويعجز الجسد وتجف المشاعر وتتيبس القدرات والملكات , ويشعر المسن انه أضاع عمره هباءا

, وأنه جرى وراء سراب , وأن ماكان يقرأ عنه ويحلم به ويدافع عنه ويتحمس له لم يصل به إلى شيء , وأن فرصا كثيرة فاتته في الحب وفي العمل وفي الحياة عموما , وأن مابقي من العمر والجهد والصحة لم يعد يكفي لأي شيء جديد , وأنه لم يعد يملك إلا التسليم والإنتظار للحظة النهاية . وهنا تثور رغبة جديدة في الحصول على مايمكن الحصول عليه قبل الوداع , وهنا تنشط الأحلام والتخيلات تعوض حالة العجز الجسدي والنفسي وتحاول التغلب على عوامل القهر في البيئة المجتمعية والفساد المستشري من حوله دون أمل في الخلاص من كل ذلك بأي طرق منطقية .

وهو كمثقف مصري وعربي عاش مراحل كثيرة مليئة بالأحلام المجهضة والمشاريع الشخصية والعامة الفاشلة , ويظهر في بعض اللقطات وبجانبه كتاب بعنوان "تجديد الفكر العربي" , فهل ياترى تجدد الفكر العربي أم ازداد انحدارا وتدهورا وتحللا . فقد فشل في مشروعه الشخصي وفشلت أمامه المشاريع القومية في مختلف المراحل , ولم يعد يثق بأحد أو بشئ في عالم البشر , ولهذا تنقله العفريته الحسناء إلى عالم الجن لعله يجد شيئا مختلفا , ويحقق مايريد مستعينا بقوى أسطورية سحرية خارقة تتجاوز صعوبات الواقع المضطرب .

وهنا تصل رسالة إلى الناس أن الحل في الواقع يكاد يكون مستحيلا , وأن منطق الحل السحري قد يداعب خيال الناس ويصبح بمثابة مخدر لذيذ يعوضهم عن هزائمهم وفشلهم ويحدث لهم توازن نفسي ولو كاذب .

وقد لايدرك الكثير من الناس هذا البعد النفسي والفلسفي في أحداث المسلسل الرمضاني , ولكن تصلهم رسالة بأن الإستعانة بعالم الجن ممكنة , خاصة وأن الشيخ المتخصص في تحضير الجان واستخدامهم وصرفهم (الشيخ صادق) يبدو وهو يحقق الكثير من الخوارق أمام الناس , وهنا ينفتح بابا واسعا لتنشيط معتقدات الجن والقوى الخارقة والخرافات وسط مجتمع لديه القابلية العالية لتصديق ذلك والإيمان به وممارسته على أوسع نطاق , وهنا يتراجع العقل العلمي ويفسح الطريق للعقل السحري والخرافي .



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق