تابعنا على الانترنت
استفتاء

في رحاب سورة يوسف

11/01/2017 07:31


ربيع عبد الرؤوف الزواوي

أيها المحزونون... هَلُمّ:

قالوا: سورة يوسف؛ ما قرأها محزونٌ إلا سُرِّي عنه.

وقد نزلت سورة يوسف بعد عام الحزن...

حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في أشد أوقات الضيق والحزن، وعلى وشك الهجرة وفراق مكة التي ولد فيها وترعرع على أرضها.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم في أمسّ الحاجة لهذه المعاني التي تضمنتها السورة الكريمة...

فقد نزلت السورة وهم في مرحلة صعبة ومعنوياتهم منخفضة...

ومن أسف أن حالنا اليوم ليس بأقل من حالهم آنذاك...

 فالسورة الكريمة تأخذ بأيدينا وترفع معنوياتنا وتذهب عنا اليأس والحزن.

وسورة يوسف من أكثر السور التي تحدَّثت عن اليأس:

- فلمَّا استَيأسوا منهُ خَلَصوا نَجِيَّا

- ولا تيأسوا مِن رَوحِ الله إنَّهُ لا ييأسُ مِن رَوحِ الله إلا القومُ الكافِرون

- حتى إذا استيأس الرّسلُ وظَنُّوا أنَّهُم قد كُذِبوا جاءَهُم نَصرُنا

 فالسورة الكريمة توصل رسالة مفادها لا تيأسوا ولا تحزنوا...

فإن يوسف، رغم كل هذه الظروف الصعبة، لم ييأس ولم يفقد الأمل...

 فقد استطاع يوسف عليه السلام- بفضل الله ثم بحكمته في التعامل مع الملِك- أن يُصبح عزيز مصر...

 واستعان بالله حين تصدَّى لامرأة العزيز، ورفض الفاحشة ونجح في ذلك.

رسولنا صلى الله عليه وسلم ويوسف عليه السلام بينهما قواسم مشتركة:

 فقد ترك يوسف عليه السلام أرض كنعان (فلسطين الآن) ونبينا صلى الله عليه وسلم على وشك ترك مكة أحب البلاد إليه...

 ويوسف عليه السلام فارق أهله وأحبابه والنبي صلى الله عليه وسلم فارق أهله وأحبابه؛ إذ ماتت زوجته خديجة ومات عمّه الذي كان يدافع عنه ويحوطه ويرعاه...

تخبر السورة الكريمة نبينا صلى الله عليه وسلم أن يوسف عليه السلام قد انتصر في النهاية...

كأن الله تعالى يريد أن يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إنّ يوسف عليه السلام مرّ بظروف صعبة مشابهة لظروفك، ولكنه انتصر في النهاية، وكذلك أنت، سوف تنتصر مثله بإذن الله.

فعلينا أن نتنبه...

إن تسيير الكون شيءٌ فوق مستوى إدراكنا؛ فلا تشغل نفسك به، ودعه لخالقه يسيِّره كما يشاء، وفق عِلمه وحِكمته تبارك وتعالى...

 فإذا كانت الأحداث الآن تُصيبُ بالإحباط، ولا شك أن لذلك حكمة لا ندركها، فلا تيأس ولا تتذمَّر...

بل ثِق في تدبير الله؛ فهو مالك هذا المُلك، وهو خير مُدبِّر للأمور جل شأنه.

فالسورة الكريمة

تعلمنا الأمل في أبهى صوره وأرفع درجاته...

أيها الأدباء المتخصصون... هَلُمّ:

سورة يوسف هي السورة الوحيدة في القرآن التي تقصّ قصة كاملة بكل تفاصيلها...

 لذلك أسماها الله تعالى: أحْسنَ القَصَص

 ولا شك أنها أحسن القصص؛ فالأدباء والروائيون والمتخصِّصون في فنّ القصة يقولون أنّ كل عناصر القصة الجيدة متوفَرة بها؛ سواء التشويق، أو استخدام الرمز، أو الترابط المنطقي، وغير ذلك من عناصر القصة المعروفة للمتخصصين...

تبدأ السورة الكريمة بحلم رآه يوسف عليه السلام، وتنتهي بتفسير هذا الحلم...

كما نلاحظ أن معاني القصة متجسِّدة؛ وكأنك تراها بالصوت والصورة كما يقولون...

وهي من أجمل القصص التي يمكن أن تقرأها في حياتك، ومن أبدع ما تتأثر به من القصص الصادق.

لكن السورة الكريمة لم تجيء في القرآن لمجرد رواية القصص...

 لكن هدفها هو ما جاء في آخر سطر من القصة:

إنَّهُ مَن يتَّقِ ويَصبر فإنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ المُحسِنين

فاصبر ولا تيأس.

 ومن عجائب قصة يوسف؛ أن قميص يوسف الذي استُخدم كأداة براءة لإخوته كان دليلا على خيانتهم...

 ثم استُخدم هذا القميص كأداة براءة بعد ذلك ليوسف عليه السلام نفسه مع امرأة العزيز؛ فبرَّأه...

 ثم استخدم نفس القميص للبشارة؛ فأعاد الله تعالى به بصر والده عليهما السلام.

ومن عجائب هذه السورة الكريمة أنها تمشي بوتيرة عجيبة؛ مفادها أن الشيء الجميل قد تكون نهايته سيئة والعكس...

 فيوسف أبوه يحبه، وذلك شيء جميل؛ فتكون نتيجة هذا الحب أن يُلقى في البئر...

 والإلقاء في البئر شيء سيء فظيع؛ فتكون نتيجته أن يُكرَم في بيت العزيز...

والإكرام في بيت العزيز شيء جميل ورائع؛ فتكون نهايته أن يدخل يوسف السجن...

وأخيرا... يكون دخول السجن شيءٌ سيء وبشع؛ فتكون نتيجته أن يصبح يوسف عليه السلام عزيز مصر...

ومن عجائب هذه السورة الكريمة أنك لا تجد ملامح يوسف عليه السلام النبي، كما تجدها في سورة غافر...

أما في سورة يوسف فقد جاءت ملامح يوسف عليه السلام الإنسان؛ الذي واجه حياة شديدة الصعوبة منذ طفولته، ولكنه نجح في مهمته...

 وكأن سورة يوسف عليه السلام تريد أن تبين لنا أن يوسف النبي لم يأتِ بمعجزات...

بل كان إنساناً عاديَّاً... ولكنه اتَّقى الله... فنجح ...

 وهو درس لكل مبتلى، ومكروب ومضيّق عليه في الأرض...

والسورة الكريمة أمل لكل مَن يريد أن ينجح، رغم واقعه المرير.

 

*المصدر: العاصمة 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق