لماذا لا ينسحب السلفيون من المشهد السياسي؟ رؤية سياسية حول الواقع المصري المعاصر(2)

10/01/2017 08:50


م. أحمد الشحات

حالات المشاركة السياسية :-
الحديث عن المشاركة السياسية في النظم الغير ديموقراطية لا يخلو من عدة حالات :-
1. الحالة الأولي : حالة القوة ، وتكون عند من يمتلك أدوات الحكم على تنوع مستوياتها ودرجات تأثيرها وفاعليتها .
2. الحالة الثانية : حالة الضعف ، وتكون عند من لا يملك هذه الأدوات ، وهو ما اصطلح عليه بإسم جماعات الضغط ، أو أحزاب المعارضة ، وليس معنى أنها ليست ضمن جماعة الحكم ، أنها مفتقدة لكل وسائل القوة أو التأثير ، ولكن المقصود أن ما تمتلكه السلطة من قوة يفوق ما يمكن أن تمتلكه المعارضة أضعاف مضاعفة ، خصوصا وأن السلطة تمتلك القوة العسكرية ، ويسمح لها القانون بإحتكار أدوات العنف والقهر ، وهي حالة أغلب الأحزاب والهيئات في كثير من الدول.
3. الحالة الثالثة : أحيانا يكون هناك مكون قوي من مكونات المشهد السياسي في الحالة الثانية ، فيقوم النظام بمعاملته معاملة خاصة ، في وضعية وسط بين حالة الشراكة وحالة العداوة ، وهو ما يمكن التمثيل له بعلاقة حزب النور مع النظام بعد ٣٠/٦.
4. الحالة الرابعة : وهذه الحالة وجودها في عالم السياسة يكون مؤقتا - للأسف الشديد - وهذا يرجع للعديد من الأسباب سنذكرها لاحقا ، وهي حالة الشراكة في الحكم ، حدث هذا في تركيا بين أردوغان وجماعة عبدالله غولن ، وحدث بين الملك عبدالعزيز وإخوان الوفاء في السعودية ، وحدث بين محمد علي ومشايخ الأزهر في مصر، وحدث بين عبدالناصر وجماعة الإخوان في الخمسينيات ، وكان مأمولاً أن يتم بعد الثورة بين جماعة الإخوان وحزب النور ، ولكنه لم يحدث.
ملاحظات علي التقسيمات السابقة :-
الحالة الأولي :-
من يمتلك أدوات الحكم - الا من رحم الله - يميل الي الانفراد والاستحواذ علي الملك لأطول فترة ممكنة ، ويسعي لإقصاء وتهميش ومحاربة كل من ينافسه ، لأن الملك عقيم ، والحكام عادة ما يُحاطون بمجموعات من أصحاب المصالح الخاصة ممن يدفعون الحكام للتشبث بالحكم ضمانا لإستمرار مصالحهم ، ونهاية هذه الطريقة من الحكم نهاية مآساوية ، وإن طال بها العمر ، لأنها تخالف سنن الله الشرعية والكونية.
وعلاج هذا الأمر من الناحية الشرعية هو الالتزام بقوانين الحكم العادل ، وقواعد الشورى المنضبطة ، وعلاجه من الناحية السياسية بتطبيق قوانين الحكم الرشيد من التداول السلمي للسلطة ، وشفافية الانتخابات ، والتوازن بين السلطات وغيرها من الملامح والسمات المعروفة ، والأهم من ذلك هو تطبيق العدالة بكافة أنواعها ، وتحقيق التنمية بمختلف مجالاتها ، ومحاربة الفساد بكل صوره.
الحالة الثانية :-
كل من هو خارج السلطة فهو ضعيف بدرجة من الدرجات ، وبمعني من المعاني ، وفي ظل الأنظمة السلطوية فإن هذه الكيانات لا تتواجد إلا بالقدر الذى يُسمح لها به ، ووفق المعادلة الأمنية لكل فترة من فترات الحكم ، وأدوات السلطة الشمولية في تقليم أظافر هذه الكيانات معروفة ومجربة مرات كثيرة ، وهي تدور غالبا حول الوسائل الأمنية.
ولا يكون أمام هذه الكيانات إلا اللجوء لوسائل الإستقواء وهى :-
1. النظام ذاته ، فتلجأ بعض هذه الكيانات إلي الإرتماء في أحضان النظام طلبا للسلامة ، ورغبة في المحافظة علي التواجد في المشهد السياسي ، ومن ثم تنفذ ما يطلبه منها النظام.
2. اللجوء للخارج ، فتلجأ بعض الأحزاب للتواصل مع بعض الدول التي تكون في خصومة مع النظام السياسي ، فتنال الدعم المالي والإعلامي والسياسي من هذه الدول في مقابل أن تكون حليفتها في الداخل في علاقة أشبه ما تكون بالعمالة المقنعة.
3. اللجوء للجمهور ، فتتوجه بعض الكيانات للجماهير لتنال ثقتها ، وتحوز علي رضاها ، فتتبني أجندة الشعب ومطالبه ، وتلتحم مع صفوفه وتستقوي به في الفاعليات الرسمية والشعبية.
الحالة الثالثة :-
وهي حالة وسط بين المناوئة والمشاركة ، وهي الحالة التي يتعامل فيها النظام مع كيانات الحالة الثانية بعدما يكونوا حصلوا وسيلة من وسائل القوة المذكورة في الحالة الثانية ، وبالتالي يضطر النظام إلي التعامل معهم معاملة خاصة ، مع إضمار الرغبة في التخلص من هذه الحالة في أقرب فرصة متاحة.
الحالة الرابعة :-
حالة الشراكة المؤقتة ، ورغم أن هذه الحالة تعد فرصة ممتازة لأى نظام حكم ، إلا أن عادة الحكام الطمع ، والرغبة في الإستحواذ والانفراد ، فإن النظام يظل معتمداً عليهم لفترة معينة ، ويحرص علي التخلص منهم عندما يتمكن من ذلك ، بل أحياناً يكون الهدف الأول لبعض الحكام هو التخلص من شركاء النجاح قبل تحقيق أي أهداف أو نجاحات أخري ، وأحيانا يطمع الشريك الآخر في الحكم ، فيدير مؤامرة لإزاحة الحاكم عن الحكم لكي يجلس مكانه ، والتاريخ القديم والحديث زاخر بهذه التجارب المؤسفة.
من هذا العرض نستخلص نتيجة محددة ، وهي أننا طالما لم نكن في الحكم ، فالوضع الطبيعي أننا في حالة ضعف ، ويمكن للحاكم أو النظام - إذا أراد - أن يمارس ما يمارسه من وسائل الإبعاد والإقصاء ، ويتوقف هذا الأمر علي القوة النسبية للكيان ، وعلي حجم المصالح التبادلية بين النظام والكيان ، وهذه قاعدة مهمة من قواعد السياسة لا يجوز إغفالها.
ولكن النظام قام بتوظيفكم لصالحه ، واستغلالكم لتحقيق مآربه ، ثم لفظكم وضيق عليكم ، ولم تستفيدوا شيئا من مساندتكم له ، رغم نصح الكثيرين لكم بإعتزال المشهد ، وعدم الركون لهم ، خصوصا مع ظهور ظلمهم وتعديهم ؟!
من يُقدر الله عليه أن يكون متصدراً في الشأن العام ، فعليه أن يوطن نفسه لتحمل أنواع من الضرائب ، إن لم تصبه من النظام ، فستلحق به من الناس ، وإن سلم من هذا وذاك ، فربما ذاق مرارة ظلم ذوي القربي وهكذا.
وقد قررنا فيما سبق أننا فعلنا ما فعلناه ديانة لله عزوجل ، ورغبة في نجاة وطننا وأبناءنا من الدخول في نفق مظلم ، أصر طرفا الصراع وقتها أن يصلوا فيه لنقطة اللاعودة ، وكان هذا صراعاً لا ناقة لنا فيه ولا جمل ، وقد كان شغلنا الشاغل هو الخروج من تلك الفتنة بأقل خسائر ممكنة ، وإلا فالخسائر قد طالت الجميع ، وكنا نجتهد في إدارة تلك الخسائر وفق ضوابط الشرع ، وقواعد السياسة.
ونحن – بفضل الله - لم يوظفنا أحد ، ولم ننفذ أجندة فلان أو علان ، وإنما سعينا لأجل حقن دماء أبناء وطننا ، والحفاظ علي مكتسباتنا ، وكون أن اجتهادنا المنضبط شرعاً وواقعاً ، قد وافق مصلحة ما عند النظام ، فهذا لا يعنينا في شيء ، ولا يجوز شرعاً أن نغير اجتهادنا المبني علي أسس شرعية بزعم أن الطرف الآخر سيستفيد منه ، فقد

آل اجتهدنا إلي التواجد في مشهد 3/7 ، علي الرغم من أن النظام سيستفيد من وجودنا في المشهد ، لكي يقرر حقيقة أن الصراع بينهم وبين الاخوان لم يكن من أجل الدين ، وأنهم ليس لديهم نية في إقصاء التيار الاسلامي إلي غير ذلك من فوائد ، ولكننا أعملنا موازين المصالح والمفاسد بمعزل عن هذه الفوائد.
أما كونه بعد ذلك مارس معنا الاقصاء ، فعزاؤنا في ذلك أننا لم نكن نفعل ذلك لأجله ، ولا خدمة له ، إنما فعلناه لأجل الله عزوجل ، وإن خدعونا بعد ذلك فإن حسبنا ووكيلنا هو الله ، وقد قمنا بدعم الإخوان قبل ذلك أضعاف مضاعفة ، ومع ذلك لم يوفوا بوعودهم معنا ، وكانت خطواتهم سريعة في طريق تقليم أظافر الدعوة ، وسحب البساط من تحت أقدامها ، وقد قدمنا أن معظم الحكام إلا من رحم الله ، يحرصون علي التخلص من شركاء النجاح بأسرع وسيلة ممكنة.
أما نصيحة الاعتزال فلم تكن في محلها ، فما يُتاح للأفراد أو الكيانات الصغيرة ، لا يكون متاحاً ولا صحيحاً في حق الكيانات الكبيرة ، وقد كانت علينا مسئولية التواجد من أجل حماية وجود التيار الإسلامي برمته ، ومن أجل حماية الشباب من الانزلاق إلي وحل الفتنة ، ومن أجل المشاركة في بناء النظام الجديد تقليلاً للشر ، وتكثيراً للخير ، وقد تحقق لنا كثير مما كنا نطمح إليه بفضل الله ،ووجودنا حتي الآن في المشهد هو استمرار لشوط سياسي بدأناه بالمشاركة في الدستور ، ثم الانتخابات الرئاسية ، ثم الانتخابات البرلمانية ، إلي أن أصبح لدينا ممثلون في البرلمان ، هذا يعتبر شوط سياسي كامل ، لم يكن متاحاً أن ننسحب في منتصفه ، كما أنه ليس متاحاً أن ننسحب قبل اكتماله ، وأي حديث عن الانسحاب في هذا الوقت ستكون خسائره فادحة ، لكن ما ينبغي بذل الوسع في دراسته هو دراسة المستقبل بسيناريوهاته المختلفة ، وتحديد الرؤية الصحيحة للتعامل مع كل صوره من الصور المتوقعة ، مع بذل الجهد في تحصيل أسباب النجاح العلمية والعملية.
ولكن لماذا لا تنتقدون النظام الحالي بنفس الدرجة التي كنتم تنتقدون بها جماعة الإخوان؟
نتيجة لأن هذا السؤال له حظ من الواقعية ، فسيحتاج منا لقدر كبير من الصراحة والموضوعية ؛ أقول : نعم اختلفت نبرة النقد من حيث الكم والكيف ، ولكنها لم تنعدم ، ولم تتوانى عن بيان الحق ، ولم تسكت علي باطل ، إنما تماشت مع القواعد المعروفة في إنكار المنكر والتي تدور مع القوة والضعف ، والقدرة والعجز ، هذا هو البيان الإجمالى وإليك التفاصيل.
فهم النظام الجديد والتأكد من توجهاته وانحيازاته تأخذ قدرا من الوقت ، ولا يمكن بناءها علي مجرد الخرص والظن والتخمين ، وإذا كانت النظم السياسية وضعت مدة زمنية قدرتها بأربع سنوات لتكون مدة كافية لتقييم الحاكم أو الرئيس ، فليس عيبا أن تستغرق جماعة أو مؤسسة سنتين لكي تصل إلي القناعة الكافية بحقيقة النظام ، خصوصا إذا كانت هذه المؤسسة تنتهج نهجا إصلاحيا يميل إلي الهدوء والتأني في تناول القضايا والتعاطي مع الأحداث ، ومن الظلم البين مقارنة جماعة إصلاحية كبيرة الحجم مترامية الأطراف بآحاد من الكتاب ، ممن يقوم عملهم علي إدارة معارضة من أجل المعارضة ، سواء كانت معارضة حقيقية أو شكلية.
بالإضافة إلي أنه لا يمكن الانتقال الحاد من النقيض إلي النقيض ، فهذا الانتقال لا يكون ملائما للأفراد ، فكيف بالجماعات والمؤسسات التي لها أتباع ورواد هنا وهناك ، وإلا فالانتقالات الحادة من شأنها أن تحدث زلزالا داخل الكيان ينتج عنه تصدعات خطيرة وشروخ عميقة ربما لا يمكن علاجها بعد ذلك.
ثم من يعزل الأحداث عن سياقها الزمني وبيئتها السياسية يقع ولابد في التعدي وعدم الإنصاف ، فسياق ما بعد الثورة كانت له ظروفه الخاصة علي الدولة والأفراد والهيئات والأحزاب وكل شيء ، فالحرية والسعة التى كانت متوفرة وقتها أتاحت للجميع أن يعبروا عن آرائهم وتوجهاتهم وأفكارهم بلا خوف ولا تردد ، وبدون حسابات معقدة فيما يتعلق بالضريبة الناتجة عن اتخاذ المواقف عموما.
ومع ذلك فعند التطبيق ، سنجد أن الدعوة السلفية كانت من آخر الكيانات انتقادا لجماعة الإخوان ، وكانت من أرقها طريقة وآداءا ، فقد ظلت الدعوة مؤيدة ومدافعة عن الإخوان طيلة ستة أشهر كانت السياط فيها تحمي ظهور الإخوان بالنقد الهدام والسخرية اللاذعة ، ومحاولات التفشيل والتشويه ، وكانت الدعوة خير مدافع عن الإخوان ، وخير معين لهم ، لا من أجلهم ولا من أجل اتفاقنا الكامل معهم ، ولكن من أجل الرغبة في إنجاح التجربة وعدم تعريضها للتعثر ، خصوصا والطرف الآخر كان أكثر سوءا من الإخوان.
ولكن ركوب الإخوان قطار الصدام مع الدولة والمجتمع دفعنا الى ضرورة المفاصلة والمفارقة عن هذا القطار ، لأننا رأينا خطورة هذا المسلك من الناحية الشرعية والسياسية ، ولأننا تضررنا تضررا بالغا من تحالفنا مع الإخوان ، خصوصا وأننا دفعنا ضريبة أخطاءهم أمام المجتمع لأننا من روجنا لهم في انتخابات الرئاسة وكنا سببا رئيسا في وصولهم لكرسى الحكم ، ولأن كثير من الناس لا يفرقون بين الفصائل الإسلامية المختلفة.
ومع ذلك نقول : كيف عارضنا الإخوان وكيف عارض غيرنا ؟
كانت معارضتنا للإخوان معارضة متزنة محتشمة ، لم تتجاوز خانة التصريحات أو البيانات ، بينما كانت معارضة الآخرين معارضة عنيفة تحريضية لجأت الي الميادين والشوارع ، واتخذت خطوات مدروسة في اتجاه الإسقاط إلي أن وصلت ذروتها في ٣٠-٦ ، والتى أسقطت حكم الإخوان بالفعل.
بينما نحن لم نشارك في فاعلية واحدة لإسقاط الإخوان ، بل كان موقفنا ثابتا وصريحا ومعلنا " إسقاط الرئيس خط أحمر " ، إلي أن تجاوز بنا الواقع هذا الكلام وسقط الرئيس شعبيا ومؤسسيا ، فاستقال الوزراء والمحافظون وغيرهم من المسئولين ، وامتلئت الشوارع والميادين بالكتل البشرية المحتقنة ، ولم يعد يجدى الحديث وقتها عن خطوط حمراء ولا خضراء.
والجدير بالذكر أن مشاركتنا فى مشهد ٣-٧ وإن كانت لا تروق للبعض لأنها وضعتنا في موضع شبهة ، إلا أنها لم يكن منها مفر ، فقد كانت هذه الجلسة إعلان إسقاط نظام قديم ، وإعلان تولي نظام جديد هو قائم بالفعل ، ولم يكن اللقاء سوي كشف لصورته الأخيرة ، ولم يكن يسعنا ونحن متورطون ضمنا في تأييد الإخوان والتواجد في زورقهم الغارق ، أن نغيب عن المشهد ، حيث يعني ذلك أننا نجهز علي مستقبلنا الدعوي والسياسي ونحكم علي أنفسنا بنفس مصير الإخوان من الناحية الرسمية - مع أننا لم نرتكب مثلما ارتكبوا- كما أن غيابنا قد يرسخ لدي بعض الناس أن كل فصائل التيار الإسلامي علي نفس موقف الإخوان.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق