تابعنا على الانترنت
استفتاء

مذكرات الإمام محمد الغزالي 1917م - 1996م..(الحلقة 10) [زَوَاجٌ سَعِيدٌ..ثُمَّ نِهَايَةٌ! ]

19/10/2016 03:27

ومع تسلمي للعمل الحكومي تم زواجي ، وكان الأستاذ حسن البنا تدخّل في المسألة التي بدأت معقدة ، فإن والد الفتاة التي اخترتها كان يطمع في زوج أغنى مني ؛ إنه من قريتنا ، وإن كان موظفاً بوزارة العدل في القاهرة ، وعلم أن مرتبي ستة جنيهات ، أعطي أبي نصفها تقريبا ..!

لكن الأستاذ المرشد أقنع الرجل بأني أفضل من غيري ، والمستقبل بيد الله ، وسيكون خيراً...

وتزوجت ، وسألني الأستاذ المرشد : ماذا فعلت مع فلان – يعني صهري - فقلت له : دخلت بابنته! قال عاتبا: لمَ لم تدعني ؟! وتمثل بقول الشاعر وهو يبتسم:

وإذا تكون كريهة أُدْعَى لها * وإذا يحاس الحيس يدعى جندب!

فقلت: لم تكن هناك وليمة! اكتفينا بأشربة حلوة ، تناولها بعض الزملاء ، وأوسع لي الرجل غرفة في بيته والحمد لله ... فدعا لنا بالبركة...!

* ونهاية

لقد عشت مع زوجتي ثلاثين سنة كأسعد زوجين في الدنيا ، وكافأتها على رضاها بفقري ، فأسكنتها الغرف ، وأذقتها الترف ، وجعلتها تدوس الحرير والذهب! وأنجبت منها تسعاً من الولد، استودعت ربي اثنين ، وبقي لي سبع من الإناث والذكور، ثم فارقتْ الدنيا على غير انتظار ، فبكيتها من أعماقي ، وتمثلت بما قيل :

أما والذي أبكى وأضحك والذي * أمات وأحيا والذي أمره الأمر!

لقد تركتني أحسد الطير أن أرى * أليفين منها لا يروعهما الذُّعر!

رحمها الله أوسع رحمة ، ورفع درجتها في عليين .

فلأترك هذه الزفرة التي غلبتني ، ولأعدل إلى شرخ الشباب وأيام السير الحثيث والكدح الدؤوب .

ولكي أشرح عملي يجب أن ألقي الضوء على الأحوال الاجتماعية والسياسية التي تمر بأمتنا يومئذ.

*حال المسلمين يومئذ

كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت بنصر إنجلترا وفرنسا وأمريكا ؛ ومع أن الحرب دارت رحاها وتمت معاركها الحاسمة في أرضنا ، فقد كان العرب والمسلمون فيها عنصراً تافهاً !

إن تخلفنا الحضاري والإسلامي كان بعيد المدى ، والفُرقة التي مزّقت جماعتنا أذهبت ريحنا وأحبطت سعينا ، وبلغ من جنون الحقد على المستعمر المباشر أن بعض الشباب هتف في الإسكندرية : تقدم يا روميل ! عندما كان القائد الألماني يطارد الفلول الإنجليزية المبعثرة في الصحراء !

وأنا أفهم كُره العرب لمن خلفوا إسرائيل في أرضنا - وكانت وقتئذ جنيناً في المخاض - لكن ماذا يفيده استبدال مستعمر بمستعمر؟

إن هذا الاتجاه الأعمى دليل فراغ رهيب!

والذين يريدون النهوض بأمتنا على نحو راشد ليس أمامهم إلا إزالة هذا الفراغ ، وإحلال عقائدنا ومناهجنا مكانه ، وذلك ما كنا نصنعه مع أستاذنا حسن البنا ، وليتنا توفرنا على هذا وحده، والحديث في هذا ذو شجوني، وليس هنا مكانه!

ومع النشاط الذكي الذي قام به حسن البنا في إيقاظ القاعدة الشعبية ، كانت في مصر أحزاب صورية ، ما عدا حزب الوفد الذي كان يمثل تسعة أعشار المصريين في أي انتخاب حر ، أما الأحزاب الأخرى فتدور في فلك القصر الملكي ، ترتقب خلاص الملك من ممثلي الشعب لتتولى هي الحكم في ظل انتخابات مفتعلة !

ومن الواجب أن يُعرف الوضع الديني على صورته الكاملة ، إن جمهرة المنتمين للأحزاب السياسية - الصحيحة والمزوّرة - كانوا مسلمين يسود بينهم المفهوم الغربي لمعنى الدين!

الدين عندهم ليس إلا صلة بين المرء وربه تظهر في الصلاة والأخلاق ، وبعض المسالك الخاصة!

أما أنه تشريع شامل يصوغ الروابط بين الإنسان والإنسان ، ويُملي تعاليمه في شؤون الحكم والاقتصاد فذاك ما لا يُدرى !

وهناك ناس تمرَّدوا على الدين كله ، عقائده وشرائعه ، وساروا وراء ملاحدة الغرب والشرق ، لا يلوون على أحد ، وكلا الصنفين يضيق بجماعة الإخوان ودعوتهم ، وقد يرفضها دون مبالاة ، أو يعلن الحرب عليها بقسوة!

ولما انتظمت في تخصص الدعوة والإرشاد بكلية أصول الدين عنَّ لي أن أؤلف اتحاداً لإعادة التشريع الإسلامي ، يزاحم الاتحادات الطلابية الأخرى ، ويظهر أن الأرض كانت ممهدة ، فسرعان ما اكتسحنا الساحات الأخرى ، وأخذنا نوزع ألوف المنشورات لنبلغ غايتنا!

* محاولة فاشلة

طلبنا مقابلة رئيس الوزراء –وكان مصطفى النحاس باشا- للتفاهم معه ، فحدد لنا الرجل موعداً ضُحى أحد الأيام ، ودخلت أتقدم زملائي، فرأيت الباشا مُتجهِّماً ، وبعد أن نظر إلينا بازدراء قال لنا : إنه مؤمن بالله ، وإنه أكثر إيماناً من شيوخنا ، وإنه كان في المعتقل لا يدع صلاة! ثم شرع يوجِّه إلينا نقداً أشبه بالسباب...!

ونظرت إلى الرجل فوجدته غير متكلف ، وشعرت أن لشعبيته أساساً من بساطة خلقه ، ورأيت أن أقاطعه على عجل قبل أن ينال منا!

فقلت له : إنك تحكم بلداً يُصدر تراخيص بالزنا ، ويفتح حانات الخمور ، ويحل ما حرّم الله! فأين ما تحكي عنه من إيمان وصلاة؟!

وقدمت له مطالبنا فأخذها ورمى بها في وجهي ، وكان معه الشيخ محمد البنا وكيل الوزارة للشؤون الدينية ، فقال

بأدب جم : مهلاً يا رفعت باشا إنهم يطلبون بعض الإصلاحات الاجتماعية التي تفكر فيها والتي سبق أن كلمتني عنها ، وأخذ ورقة المطالب وانسحب إلى غرفة أخرى .

وبعد جدال مُمِل انصرفنا ، وعلم الأستاذ المرشد بما وقع فاستدعاني ولامني على تأليف الاتحاد ، وعلى السير به إلى هذه المرحلة ، وأفهمني أن منهج الإخوان وحده هو الموصل للهدف المنشود ، وإن طال المدى ، ومن الخير أن أكرس جهودي كلها له ، وتم الوفاق على ذلك ، وأنهينا التشكيل الذي صنعناه.

استأنفت العمل ناشطاً راغباً في ميدان الدعوة ، وسرني أن الأستاذ المرشد العام جعلني سكرتيراً لمجلة الإخوان المسلمين ، فكنت أكتب كثيراً ، تارة بتوقيعي وتارات بتوقيعات أخرى ، وكنت أتردد على مكتبي بانتظام ، وأجمع بين عملي في المسجد وعملي في التحرير .

*الديمقراطية

وكوَّنت عدة أحكام على أوضاعنا المختلفة كان لها أثر في حاضري ومستقبلي!

ففي أعقاب لقائي برئيس الوزراء ، وزعيم حزب الوفد مصطفى النحاس باشا ، قلت لمن معي: هذه هي الديمقراطية الغربية بخيرها وشرها!

طالبنا بمقابلة الرجل فلقينا وأسمعنا رأيه فينا ، وأسمعناها رأينا فيه!

وبعد نقاش عاصف أذن لأحد مساعديه أن يجتمع بنا ، ثم عدنا إلى أعمالنا العادية ، فما صدر أمر بنقل موظف ، أو فصل طالب أو اعتقال إنسان!

وأذكر أنه عندما رشح الأستاذ حسن البنا نفسه في دائرة الإسماعيلية استدعاه النحاس باشا ، وقال له : إن الإنجليز يأبون أن تكون في مجلس النواب ، وأنا لا أزوِّر انتخاباً أبداَ ، فهل تنقذنا من هذا الحرج ، وتنسحب بإرادتك ، ونعدك بتمكينك من نشر دعوتك حيث أحببت ، بعيداً عن المجلس...؟

وعرض الأستاذ المرشد الأمر على الإخوان فوافقت كثرتهم ... وانسحب حسن البنا من الانتخابات.

والواقع أن وزراء الوفد زاروا المركز العام ، ومنعوا عوائق كانت في طريق الدعوة ، وتضاعفت شُعب الإخوان...

بيد أن هذا الجسر بين الفريقين انهار لأسباب أرى أن كلا الفريقين مسؤول عنها ... فالوفديون شعروا بالغيرة من اتساع نفوذ الإخوان ، والترحيب الحار الذي يستقبل المصريون به الدعاة المسلمين ، وضمّوا إلى هذا الشعور كلاماً سفيهاً عن حسن البنا يصفونه بأنه موظف صغير ، أو مدرس لغة عربية ، أو مدرس خط!

أما الإخوان فقد كان همزة الوصل بينهم وبين الوفد الأستاذ أحمد السكري وكيل الجماعة ، على حين كان هناك رجل آخر يؤثر أن تقام الجسور بين الإخوان من ناحية ، والقصر وأحزابه من ناحية أخرى ، هو الأستاذ منير الدالّة رحمه الله...

وقد رأى الإخوان فصل الأستاذ السكري ، ولقحت بعد ذلك الحرب بين الفريقين...

لم أكن أهتم بغلبة تيار على تيار ، أو قيام شخص على أنقاض آخر ، كان المهم عندي ألا يوصف الإسلام بأنه ظهير الاستبداد السياسي ، وأن فكرته غامضة عن الحريات الإنسانية!

وكنت أشعر بأن الأحزاب المصرية، صحيحها وسقيمها ، لا تعرف الأصول الاجتماعية للإسلام ، ولا الطريقة المثلى لمداواة عللنا وعلل الحضارة التي تغزونا !

وكان المنهج الذي نعرضه من خلال دعوة الإخوان هو - في نظري - خير ما يقال للناس ، وكان حسن البنا – فيما رأيت منه - قائداً عابداً ، ومجاهداً صامداً ، ومربياً قديراً ، وداعياً متفانياً ، يضنّ باللحظة من عمره أن تضيع في غير عمل للإسلام!

* الأنظمة العالمية

التفاوت الذي أحسسته كان في التطبيق فقط...!

فطويت نفسي على ما بها ، ومشيت مع القافلة التي تكبر الله ، وترفع علم الإسلام ، وقلت: أُصدر – إلى جانب ذلك - كتباً أشرح فيها وجهة نظري ... تدعم تعاليم الإٍسلام في جانب غير مطروق...!

قال لي صديق أحسَّ حالة الانقسام النفسيِّ التي اعترتني :

كأنك تحب الديمقراطية الغربية؟ قلت: بإجمال نعم!

لقد رأيت الشعب الإنجليزي يقول لرئيسه تشرشل بعد ما كسب الحرب: عُد إلى بيتك! نحن بحاجة إلى كفاية من نوع آخر!

ورأيت الرجل يستقبل القرار مبتسماً، ويعود إلى قريته يستريح ويضاحك الأطفال، كأنَّ شيئاً لم يقع!

قال: والاشتراكية؟ قلت: العناوين لا تخدعني، إن النظام الملكي الرأسمالي في إنجلترا وفّر للطبقات الكادحة حقوقاً يحلم بها زملاؤهم في روسيا ، ألم تسمع ما قيل: إن الإنجليز شعب سعيد ، والروس شعب لا غني ولا سعيد؟!

إن المال على كل حال أحد عناصر الاستقرار النفسي والاجتماعي ، لا بد منه يقيناً ، ولكنه ليس كل شيء ، ولست أقبل حرية لا غنىً معها ، ولا غنى لا حرية معه .

ونحن المسلمين ننتمي إلى دين الفطرة ، قل لي: بأي عقل يُطلب من مسلم أن يحيا فاقداً كرامته المادية والأدبية...؟

إنني أريد توكيد هذه المعاني للأجيال الجديدة حتى لا ترنو إلى مبادئ مستوردة ، أو تفقد الثقة في صلاحية دينها للحياة .

وقد أُخطئ في تشخيص علة أو اقتراح دواء! فما ادعيت العصمة ، إنني أسرع الناس إلى قبول الحق من غيري ، وإعلان فضله ، ونشر الثناء عليه.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق