تابعنا على الانترنت
استفتاء

مذكرات الإمام محمد الغزالي 1917م - 1996م..(الحلقة 9) [البَحثُ عَنْ وَظِيفَةٍ]

16/10/2016 01:33

قلت : إنني تخرجت من الكلية سنة 1941م ، وصحيح أن أمامي تخصصاً في الدعوة والإرشاد ، أقضي فيه عامين حتى أنال "العالمية مع إجازة الدعوة والإرشاد"...!

بيد أن شهادتي العالية تتيح لي أن أجد عملاً أرتزق منه ، وكنت - على فقري - جامح الرغبة في الزواج !

*البحث عن وظيفة

وحصول الأزهري على عمل كان على عهدنا شيئاً بعيد المنال ، وهذا جزء من خطة محكمة لتخريب الأزهر ، وصرف الناس عن التعليم الديني كله .

ولاح الأمل عندما أعلنت وزارة الأوقاف عن مسابقة بين خريجي الأزهر لشغل وظائف "الإمامة والخطابة والتدريس" الخالية بمساجدها .

وتقدمت للمسابقة مع مئات كثيرة من "العلماء العاطلين"، وكانت تحريرية وشفوية .

وفي الامتحان الشفوي وقعت بيني وبين أعضاء اللجنة مجادلة حادّة ؛ بدأت بعمل مني كان طائشاً !

كان أحد الأعضاء يسألني في القرآن الكريم ، وكنت أحفظه جيداً ، وأجبت عن كل ما سئلت عنه ، والرجل يتابعني في مصحف كبير أمامه ، وينتقل بي من صفحة إلى صفحة وأنا ماض في التلاوة .

وردَّني في كلمة ، فتوقفت ثم مددت بصري إلى المصحف الذي معه ، فقال لي بدهشة : ماذا تفعل؟ قلت: أريد أن أستوثق هل أخطأت حقا؟ فأنا أحفظ جيداً !

وشتمني رئيس اللجنة - وكان الأستاذ أحمد حسين أخا الدكتور طه حسين ، وهو يومئذ مفتي الأوقاف.

وجاء دور الأستاذ أمين الخولي الذي طلب مني تفسير آيات قرأتها ، وأجبت فخطأني ، وذكرت رأياً آخر في التفسير فخطأني .

فقلت وأنا أضبط أعصابي: وددْتُ لو أعرف الحق، فقد ذكرت كل ما أعرف!

قال: ذاك في قاعة الدرس لا في لجنة الامتحان .

وتدخل مدير المساجد الشيخ سيد زهران قائلاً للشيخ أمين : لقد اعترف الطالب بعجزه ، فدُله على الجواب !

فقال مرة أخرى: ليس هنا...

فقلت بنـزق: لا جواب إلا ما قلتُ ، وأتحدَّى إذا كان هناك جواب آخر !

وعاد الشيخ أحمد حسين إلى توبيخي ، أما الأستاذ أمين الخولي فأدار ظهره معرضاً عني ومنهياً المناقشة.

ولكن سؤالاً وُجِّه إليَّ من مدير المساجد : ألق الخطبة التي أعددتها .

فقلت : اقترح أي موضوع أتحدث فيه ، وقمت فتحدثت في موضوع اقترحه وانصرفت .

وظهرت النتيجة بعد أسبوعين ، وكنت الخامس بين الناجحين ، وتم ذلك بما يشبه خوارق العادات!

وعُيِّنتُ إماماً وخطيباً ومدرساً بمسجد "عَزَبان" بالعتبة الخضراء ، ولم يلق هذا الحظّ أحد من زملائي معي!

"الإمامة والخطابة والتدريس" هذه الوظيفة المثلثة هي التي كُلفت بها ، ورزقت منها صدر شبابي ، لقد كان عملي في مسجد محدود المساحة ، لكن موقعه في قلب القاهرة ، وفي سوق تزدحم بالناس سحابة النهار وزلفاً من الليل .

والمصريون شعب له حسٌّ مرهف من الناحية الدينية ! عندما يجد واعظاً جاداً يُدرِّس موضوعه ، ويحسن شرحه يلتف حوله ويعمر مسجده ، ومن ثم لم يمض شهر حتى كان جزء كبير من ميدان العتبة يفرش بالحُصُر ، وتنقل له الخطبة بالمكبرات !

* اكتشاف

مهم

وأدركت بعد شهر واحد أنني جاهل ، وأن حصيلتي العلمية استنفدت خلال أسابيع ، وأني إذا لم أجدِّد نفسي ، وأقع على ينابيع ثرَّة تمدني بالمعرفة افتضحت حتماً .

لقد كنت مغروراً بعدد من المحاضرات والدروس أجيده ، وأتنقل به في أنحاء البلاد!

أما الآن فأمامي منبر واحد يثوب الناس إليه من كل فجّ ، وينبغي أن أقدم كل يوم درساً ، وكل أسبوع خطبة!

إنني في هذا المسجد عدتُ تلميذاً مرة أخرى ، وكان الكتاب الديني وغير الديني أستاذي ، وكان إذا حضر عميد كلية أصول الدين في طريقه إلى مجلس الأزهر الأعلى ، أحبسه لأستفيد منه حلولاً كثيرة لمشكلات علمية تعترضني .

فإذا تبرم لطول ما أحبسه أقول له في جدٍّ : أنتم أعطيتموني الشهادة على جهل ، فتداركوا ما فعلتم ، يضحك ويصبر !

في هذا المسجد وفيما تلاه من ميادين عمل كانت لي صفة مزدوجة ، فأنا من رجال الإخوان المسلمين ، وأنا من علماء الوزارة ، ولم أكترث أو أشعر بحرج ما في المزج بين الصفتين : الرسمية والشعبية .

وانضم إلى ذلك أني أنتسب إلى تخصص الدعوة والإرشاد ، فضمَمْت صفة ثالثة ، صفة طالب يستطيع القيادة لزملائه .

* قصة مضحكة

وأحكي هنا طرفة حدثت لي أول عهدي بالإمامة ، كان مدير المساجد حسن الظن بي منذ أن شارك في اختباري ، فاستدعاني إلى مكتبه وكلفني بالاستعداد لصلاة الجمعة بالملك فاروق ، وأمرني بإعداد الخطبة المناسبة ، وأفهمني أن ذلك في افتتاح مسجد بحيّ "المنيل" .

وفي يوم الخميس كنت بوزارة الأوقاف ، وأخذ الرجل الخطبة وراجعها ، وذهب بها إلى قصر عابدين فأقرت ، واتصل بي من القصر تلفونياً يطلب مني الاستعداد لإلقاء الخطبة غداً!

ثم قال: وللحيطة تعال إليّ في البيت نذهب إلى المسجد معاً .

وفي الصباح كنت عنده جالساً في حجرة الاستقبال أنتظر دخوله بعد ما فتح الخادم لي .

ودخل المدير ونظر إليّ فكاد يصعق ، وأخذ يُجمجم بكلمات لم أتبيَّنها وهو يتميَّز من الغيظ! يا أستاذ تجيء للصلاة بجلالة الملك في هذه الجبة البالية وهذا الجلباب الرخيص؟

وشعرت بحرج بالغ ، وتملكني الخجل ، ثم غلبتني طبيعتي الضاحكة فقلت: الجبة حسنة ، أما الجلباب فأنا ألبس ما ترتديه الشيوخ من نسيج برّاق لمّاع ، ثم لا تنس أني ألقاك بهذه الثياب ، وأنت والملك سواء ...!

فقال: الرسميات يا ...!

وأخذ الرجل يفكر بسرعة ليخرج من هذه الورطة ، وأرسل إلى مفتش مساجد قريب في مثل جسمي ، واستعار منه ملابس أخرى فاخرة ، وأكرهني على ارتدائها ، وكانت أطول مني قليلاً، فعلمني كيف أحافظ على سمتي داخلها ...!

وانتهت الصلاة بخير ، وكان شديد القلق إلى أن انصرف صاحب الجلالة ، فاقتادني إلى البيت وهو يسُبّ الظروف التي عرفته بي! ويحمد الله أن تم الأمر بستر!

وأنا أواجه هذا كله بالضحك، وأقول: أما من وسيلة للهرب بهذه الملابس؟

ومع هذه الحادثة الطريفة فإن الصداقة ربطت بيني وبين المدير ، وكنت أعاونه في بعض القضايا العلمية حتى مات رحمه الله .



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق