مذكرات الإمام محمد الغزالي 1917م - 1996م..(الحلقة 8) [مَنهَجُ الدِّرَاسَةِ ثُمَّ التَّخَرٌّجُ]

15/10/2016 12:18

لا أدري كيف حصلت على شهادتي العالية 1941م ؟

إنه لولا عون الله ما تم ذلك!

ولم أكن متقدماً في ترتيب الناجحين، فهل أحزنني أني لم أكن من العشرة الأوائل؟ كلا!

إنني ما تأخرت عن بلادة أو تقصير ، كانت الأحوال التي تكتنفني رديئة ، لا أذكر أنني ملكت كتاباً طول السنوات الأربع ، وأنّى لي ذلك ؟!

وعندما عرض علينا شرح النووي لصحيح مسلم بنصف جنيه مقسطاً على عشرة شهور؛ هززت رأسي بأساً ، وقلت : ما معي يكفي للأطعمة والملابس...!

واختفيت دون أي يشعر بي أحد!

* عذر مقبول

واضطرني هذا للإنصات بعمق إلى شروح الأساتذة ، وكنت استحضرت من دكان أبي بعض الأوراق التي تُلف بها السلع ، لأدوِّن فيها ما أرى ضرورة تدوينه .

وربما جالست بعض الزملاء الذين يملكون كتباً لأتثبَّت من حكم أو أستذكر ما نسيت! وكم نسيت من قضايا وحقائق!

وأورثني هذا خلالاً أصبحتْ طبعاً ثانيا ؛ صرت كالمكفوفين الذين يعتمدون كثيراً على ذاكرتهم.! وتعلمت الاقتصاد في الأوراق ، فليس هناك مبيضة ومسودة ، هي ورقة واحدة تلك التي تكتب ، والتي ستقدم للمطبعة فيما بعد وهذه الورقة لا يترك فيها فراغ ، ينبغي أن تُستغل من أولها إلى آخرها !

حتى بعد أن أفاء الله وبارك ، بقيت هذه الخلال تغلبني !

ووقعت حادثة أريد إثباتها لما فيها من عبرة!

جائتني "برقية" من البلد تطلب حضوري فوراً ، فأدركت أن خطراً داهم الأسرة ، وسافرت وأنا مشتت الذهن ، واسودّت أفكاري عندما رأيت دكان أبي – عن بعد - وهو مغلق .

*دعوة مستجابة

تحرّكت قدماي بلا وعي إلى البيت ، ورأيت أبي يصرخ من "مغص كلوي" أصيب به ، والأولاد من حوله حيارى ، وقد أعطاه الطبيب بعض الأقراص المخدّرة ، ولكن الآلام كانت أربى وأقسى ، وقالوا : لا بد من جراحة تستخرج ما في الكلى من حصيَّات .

وفتحت الدكان ووقفت مكان أبي أعمل ، وأنا خبير بذلك لأني في أثناء الإجازة الصيفية أساعده ، ومضت عدة أيام ونحن نتروّى ونتدارس ما نصنع ... أجور الأطباء فوق الطاقة ، ولو أمكن إعدادها فإن الجراحة يومئذ غير مأمونة العقبى ، وقد مات عمٌّ لي في جراحة مشابهة ... ماذا نصنع؟

وحاصرني غم ثقيل ، وأخذت شخوص الأشياء تتقلص أمام عيني ، وثبتت بصيرتي على شيء واحد ، الله وحسب! وكأنما كنت أكلم الناس وأنا حالم .

وجاء رجل يشتري بعض الأغذية ، ولما قدمتها له قال لي بصوت ضارع : ليس معي ثمن الآن ، وأقسم بالله أنه صادق ، وأنه غدا يجيء بالثمن !

ووقر في نفسي أن الرجل محرج فقلت له : خذ البضاعة وهي مني إليك ... وانصرف الرجل غير مصدّق ما سمع !

أما أنا فذهبت إلى ركن في الدكان ، وقلت: يا ربّ ، نبيّك قال لنا داووا مرضاكم بالصدقة ! فأسألك أن تشفي أبي بهذه الصدقة !

وجلست على الأرض أبكي ، وبعد ساعة سمعت من يناديني من البيت – وكان قريباً - فذهبت على عجل وقد طاش صوابي .

وفوجئت بأبي يلقاني وراء الباب يقول: نزلت هذه الحصاة مني –و كانت حصاة أكبر

قليلاً من حبة الفول - لا أدري ما حدث ، لقد شفيت...!

وفي صباح اليوم التالي كنت في الكلية أحضر الدروس مع الزملاء ...!

إن الذي يجيب المضطر إذا دعاه رحمني ورحم الأسرة كلها ، فله الحمد .

*حول منهج الدراسة

إن المناهج العلمية التي قُدمت لنا في كلية أصول الدين تكفي – مع إضافات قليلة - لتكوين مدرس ناجح وداعية موفق ، غير أني أقول بتواضع إن عرض الإسلام وعلومه اليوم بالأسلوب نفسه الذي كان يُعرض به في القرن السادس أو السابع غير مفهوم ، ولا دلالة له على أزمة حادّة في المواهب والعزائم .

ولا أدري ما يحدث الآن في الأزهر ، وإنما أشكو أن علم أصول الفقه – وهو علم ثانوي في كليتنا - دُرِّس لنا بطريقة مُخلّة ، والقدر الذي قدّم لنا من حقائقه غير كاف ، ومنهج هذا العلم من ينابيعه الأولى متفاوت ، وما سلكه الغزالي والآمدي غير ما سلكه الشاطبي في الموافقات ، وهؤلاء لهم مسلك يخالف من وجه مسلك فقهاء الأحناف .

وهناك مع الأصول العامة قواعد فقهية نشأ عنها تباين وجهات النظر بين الشافعية والأحناف ، كما أشار إلى ذلك الزنجاني .

وبديهي أن الاستبحار في هذا العلم من اختصاص كلية الشريعة ، ولما كان الدعاة المسلمون يواجهون مشكلات مذهبية وفقهية فيجب أن تقدم لهم خلاصات معقولة ، يتوسع بعدها الدارس كيف يشاء .

والمؤسف أنه لا الكلية الأصلية ، ولا الكلية التابعة يتحقق فيها ما ينبغي ، ويوشك أن يوضع هذا العلم في المتاحف !

وما يقال في علم أصول الفقه ، يقال في علوم السنة ، وعلم مصطلح الحديث الذي يدرس قواعد وتعاريف تحتاج إلى التطبيق الواسع ، ولا تساق على هذا النحو الجاف العقيم!

سمعت أستاذ المنطق يعرِّف علم المنطق بأنه آلة قانونية تعصم الذهن عن الخطأ في الفكر! ورآني بعض الزملاء مشمئزاً ، قال: ما خطبك؟ قلت: تعريف سخيف!

قال: وما التعريف الصحيح عندك؟ قلت : ماذا لو قيل : قواعد تصون العقل عن الخطأ في التفكير؟ بدل عبارة "آلة قانونية"؟

قال: إن الكتاب المقرر وهو "القطب على الشمسية" عليه شروح وحواش وتقارير كثيرة ، تريد أن ندعها لاقتراحك هذا ؟!

دعنا من فلسفتك! وقال: آخر - يمزح وهو في الواقع جادّ - هل هذا أيضاً من الدعوة الإسلامية؟

قلت: المعروف عن الداعي أن يكون لديه من كل روض زهرة! وأرى أن الدعاة الكبار قد يكونون أقدر منا لأخصائيين في فنونهم الأصلية ، ألا ترى أبا حامد الغزالي كتب تهافت الفلاسفة فكان يُطرّ من عقله الكبير على أرسطو وجماعته ، فيكتشف مواقع القصور في نظرهم والخلل في قولهم؟

إن الدعوة الإسلامية ليست ثرثرة واعظ منكم ؛ يزهِّد في الدنيا ، إنها فكر كشّاف يعمل قبل كل شيء على ميز الخبيث من الطيب والخطأ من الصواب .

وقلت - مؤثراً عدم الاشتباك - الإنسان هو العنصر الأول في كل معركة ، إنه قبل أي سلاح مهما بلغ فَتْكه وبَعُد مداه .

الحق أن الأزهر يحتاج إلى تجديد ثقافي وروحاني يقوم به رجال أولو عزم .

وقد كان ذلك مطلوباً قبل ما عراه على يد الناصريين ، فكيف بعد ما غاض رونقه وقادَهُ المهازيل؟!



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق